( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 477
خلاف أبي مسلم للمنصور وقتله
وسار أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على خلاف المنصور، واجتاز على طريق خراسان متنكباً للعراق يريد خراسان، وسار المنصور من الأنبار يريد المدائن، فنزل برومية المدائن التي بناها كسرى، وقد قدمنا ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وكتب الى أبي مسلم: إني قد اردت مذاكرتك باشياء لم يحتملها الكتاب، فاقبل فان مقا مَكَ عندنا قليل، فقرا الكتاب ومضى على حاله، فسرح إليه المنصور جرير بن يزيد بن جرير بن عبد اللّه البجيلي، وكان واحد اهل زمانه، وداهية عصره، وكانت المعرفة بينه وبين أبي مسلم قديمة بخراسان، فأتاه فقال: أيها الامير، ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت، ثم تنصرف على هذه الحالة. ما آمَنْ ان يعيبك من هنَالك ومن ههنا، وان يقال: طلب بثأر قوم ثم نقض بيعتهم، فيخالفك مَنْ تأمن مخالفته إياك، وان الامر لم يبلغ عند خليفتك ما تكره، ولا أرى ان تنصرف على هذه الحال، فاراد ان يجيب إلى الرجوع، فقال له مالك بن الهيثم، لا تفعل، فقال لمالك: ويلك، لقد بليت بإبليس وما بليت بمثل هذا قط، يعني الجريري، فلم يزل به حتى اقبل به على المنصور، وكان أبو مسلم يجد خبره في الكتب السالفة ونعته وانه يقتل بالروم، وكان يكثر من قول ذلك، وانه يقتل بالروم على حسب ما وجد فىِ المَلاحم وانه يميت دولة ويحيي اخرى، فلما دخل على المنصور وقد تلقاه الناس رَحَّبَ به وعانَقَه وقال له: كِدْتَ ان تمضي قبل ان اقضي عليك بما أريد، قال: فقد أتيت يا أمير المؤمنين فأمر بامرك، فامر بالانصراف الى منزله، وانتظر فيه الفرص والغوائل، فركب أبو مسلم الى المنصور مرارا وهو لا يُظْهِر له شيئاً، ثم ركب وقد أظهر له التجنَيَ، فسار أبو مسلم الى عيسى بن موسى، وكان له فيه راي جميل، فسأله الركوب معه الى المنصور ليعذله بحضرته، فأمره ان يتقدمه الى المنصور فانه بالأثر، فتقدم أبو مسلم الى مَضْرب المنصور، وهو على دجلة برومية المدائن، فدخل وجلس تحت الشراع- وقيل الرواق - فأخبر ان المنصور يتوضأ للصلاة، وكان المنصور قد تقدم إلى صاحب حَرَسِه عثمان بن نهيك في عدة فيهم شبيب بن رواح المروروذي وابو حنيفة حَرْبُ بن قيس، وأمرهم أن يقوموا خلف السرير الذي كان وراء ابي مسلم وامرهم انه اذا عاتبه وظهر صوته لا يظهروا، فاذا صفق بيد على يد فليظهروا، وليضربوا عنقه وما ادركوا منه بسيوفهم، وجلس المنصور، فقام ابو مسلم من موضعه ودخل فسلم عليه، فردَّ عليه، واذن له بالجلوس، وحادثه ساعة، ثم اقبل يعاتبه ويقول: فعلت وفعلت، فمال أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بَلائي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة وانما فعلت ذلك بِجَدِّنَا وحُظُوظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لأجْزَتْ، ألست الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليَّ تخطب اسية بنت علي وتزعمِ انك ابن سليط بن عبد الله بن العباس، لقد ارتَقَيْتَ لا أمَّ لك مُرْتَقىً صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال المنصور، وهو اخر ما كلمه به: قتلني اللّه إن لم اقتلك، وذكر له قتله لسليمان بن كثير، ثم صفق بإحدى يديه على الاخرى، فخرج إليه القوم، فَبدرَهُ عثمان بن نهيك فضربه ضربة خفيفة بالسيف قطعت نجاد سيف أبي مسلم، وضربه شبيب بن رواح فقطع رجله، واعتورته السيوف، فخلطت اجزاؤه، واتوا عليه، والمنصور يصيح: اضربوا قطع اللّه أيديكم، وقد كان أبو مسلم عند أول ضربة قال: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، قال: لا أبقإني اللّه أبداً إن ابقيتك، وأي عدو أعدى لي منك.
وكان قتله في شعبان من سنة ست وثلاثين ومائة، وفيها كانت بيعة المنصور، وهزيمة عبد اللّه بن علي، وأعرج أبو مسلم في بساط. ودخل عيسى بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم، فقال: قد كان ههنا آنفاً، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته ونصيحته، ورأي إبراهيم الإمام فيه، فقال له المنصور: يا أنوك خلق اللّه ما أعلم في الأرض عدواً أعْدى لك منه، هاهو ذاك في البساط، فقال عيسى: إنا للّه وإنا إليه راجعون.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق