إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 21 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 475 المنصور يقع بين يديه سهم كتب عليه شعر وظلامة


( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 475


 المنصور يقع بين يديه سهم كتب عليه شعر وظلامة
 

  وذكر ابن عياش المنتوف أن المنصور كان جالساً في مجلسه المبني على طاق باب خراسان من مدينته التي بناها وأضافها إلى اسمه، وسماها مدينة المنصور، مُشْرِفا على دجلة، وكانَ قد بنى على كل باب من أبواب المدينة في الاعلى من طاقه المعقود مجلساً يُشرِفُ منه على ما يليه من البلاد من ذلك الوجه، وكانت أربعة أبواب شوارع محدقة وطاقات معقودة، وهي باقية إلى وقتنا هذا الذي هو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، فأول أبوابها باب خراسان، وكان يسمى باب الدولة، لإقبال الدولة العباسية من خُرَاسان، ثم باب الشام، وهو تلقاء الشام، ثم باب الكوفة، وهو تلقاء الكوفة، ثم باب البصرة، وهوتلقاء البصرة، وقد أتينا على كيفية خبربناء تلك المدينة، واختيار المنصور لهذه البقعة بين دجلة والفرات ودُحَيْل والصَّرَاة، وهذه أنهار تأخذ من الفرات، وأخبار بغداد وعلة تسميتها بهذا الاسم، وما قاله الناسُ فىِ ذلك، وخبر القبة الخضراء وسقوطها في هذا العصر، وقصة قبة الحجاج الخضراء التي كان الحجاج بناها بواسط العراف، وبقاؤها إلى ذلك الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، في كتابنا الاوسط الذي كتابُنَا هذا تال له، فبينما المنصور جالس في هذا المجلس مِنْ أعالي باب خُرَاسان إذ جاء سهم عائر حتى سقط بين يديه، فذُعِرَ منه المنصور ذعراً شديداً ثم أخذه فجعل يقلبه فإذا هو مكتوب عليه بين الريشتين:         
  أتطمع فىِ الحياة إلى التَّنَاد                      وتحسبَ أن مالك مِنْ مَعَادِ
  ستسأل عن ذنوبكَ والخطَايَا                      وتُسأل بعد ذاكَ عن العباد ثم قرأ عند الريشة الأخرى:         
  أحسنْتَ ظَنَك بالأيام إذْ حَسُنَـت                      ولم تَخَفْ سوء مايأْتي به القدر
  وسالمَتْكَ الليالي فاغْترَرْتَ بهـا                      وعند صفو الليالي يحدُثُ الكدر ثم قرأ عند الريشة الأخرى:         
  هي المقاديرُ تجرِي في أعِنَتـهـا                      فاصبرفليس لها صَبْرٌ على حال
  يوماً ثُرِ بك خَسِيس القوم ترفعـه                      إلى السماء، ويوماً تخفض العالي وإذا على جانب السهم مكتوب: همذان منها رجل مظلوم في حبسك، فبعث مِنْ فَوْره بعدة مِنْ خاصته، ففتشوا الحبوس والمَطَابِقَ فوجدوا شيخاً في بَنِيَّةٍ من الحبس فيه سراج يسرج وعلى بابه بارية مسبلة، وإذا الشيخ مُوثَقٌ بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الآية  وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون  فسألوه عن بلده، فقال همذان، فحمل، ووضع بين يدي المنصور، فسأله عن حاله فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة همذان، وأرباب نعمها، وأن واليك علينا دخل بلدنا ولي ضَيْعَة في بلدنا تُسَاوي الف الف درهم، فأراد أخذهَا مني، فامتنعت فكبلني في الحديد، وحملني وكتب اليك إني عَاصٍ، فطرحت في هذا المكان، فقال: منذ كم لك في الحبس. قال: منذ أربعة أعوام، فأمر بفَكِّ الحديد عنه، وإلاحسان إليه، وإلاطلاق له، وأنزله أحسن منزل ورده إليه، فقال له: يا شيخ قد رَدَدنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا، وأما مدينتك همذان فقد وليناك عليها، وأما الوالي فقد حكمناك فيه، وجعلنا أمره اليك، فجزاه خيرآ، ودعا له بالبقاء، وقال: يا أمير المؤمنين أما الضيعة فقد قبلتها، وأما الولاية فلا أصلح لها، وأما واليك فقد عفوت عنه، فأمر له المنصور بمال جزيل، وبر واسع، واستحلَّه وحمله إلى بلده مكرماً، بعد أن صرف الوالي وعاقبه على ما جنى من انحرافه عن سنة العدل وواضحة الحق، وسال الشيخ مكاتبته في مهماته وأخبار بلده، وإعلامه بما يكون من ولاته على الحرب والخراج، ثم أنشأ المنصور يقول:         
  من يصحب الدهر لا يأمن تَصَرفه                      يوماً، وللدهر إحـلاء وإمـرار
  لكل شيء وإن دامت سلامـتـه                      إذا انتهى فله لا بـدَ إقـصـار
 المنصور يستشير في أمر أبي مسلم
 وقال المنصور يوماً لسالم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم. قال: لوكان فيهما الهة إلا اللّه لفسدتا، فقال: حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية.
 وذكر ابن دأب وغيره عن عيسى بن علي قال: ما زال المنصور يشاورنا في جميع أموره حتى امتدحه إبراهيم بن هَرْمَة فقال في قصيدة له:         
  إذا ما أراد إلامر ناجى ضمـيره                      فناجى ضميراً غير مختلف العقل 



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق