إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي صفحة : 43



( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي

صفحة : 43


  فالبحار التي لا يكون فيها الجزر والمد امتنع منها الجزر والمد لعلل ثلاث، وهي على ثلاثة أصناف: فأولها ما يقف الماء فيه زماناً فيغلظ وتَقْوَى مُلوحته، وتتكيف فيه الأرياح، لأنه ربما صار الماء إلى بعض المواضع ببعض الأسباب فيصير كالبحيرة وينقص في الصيف ويزيد في الشتاء، ويتبين فيه زيادة ما ينصبُّ فيه من الأنهار والعيون، والصنف الثاني البحار التي تبعد عن مدار القمر ومسافاته بعداً كثيراً، فيمتنع منه المد والجزر، والصنف الثالث المياه التي يكون الغالب على أرضها التخلخل، لأنه إذا كانت أرضها مخلخلة نفذ الماء منها إلى غيرها من البحار وتخلخل؛ وأنشبت الرياح الكائنة في أرضها أولاً فأولاً، وغلبت الرياح عليها، وأكثر ما يكون هذا في ساحل البحار والجزائر.
 وقد تنازع الناس في علة المد والجزر؛ فمنهم من ذهب إلى أن ذلك من القمر لأنه مجانس للماء، وهو يسخنه، فينبسط، وشبهوا ذلك بالنار إذا أسخنت ما في القدر وأغْلَتْه، وإن الماء يكون فيها على قمر النصف أو الثلثين، فإذا غلا الماء انبسط في القدر وارتفع وتدافع حتى يفر فتتضاعف كميته في الحس، وينقص في الوزن ة لأن من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام، ومن شرط البرودة أن تضمها، وذلك أن قعور البحار تحمي فتتولّد في أرضها عفبة وتستحيل وتحمى كما يعرض ذلك في البلاليع والابار، فإذا حمي ذلك الماء انبسط، وإذا أنبسط زاد، وإذا زاد ارتفع، فدفع كل جزء منه صاحبه، فَطَفَا على سطحه وبان عن قعره، فاحتاج إلى أكثر من وهدته، وإن القمر إذا أمتلأ حمي الجو حمياً شديداً فظهرت زيادة الماء، فسمي ذلك المد الشهري، وإن هذا البحر تحت معدل النهارأخذاً من جهة المشرق إلى المغرب ودور الكواكب المتحيرة عليه مع ما يساميه من الكواكب الثابتة إذا كانت المتحيرة في القدر مثل الميل على تجاوزه، وإذا زالت عنه كانت منه قريبة فاعلة فيه من أوله إلى آخره في كل يوم وليلة، وهي مع ذلك في الموضع المقابل الحمي، فقليل مايعرض فيه من الزيادة ويكون في النهر الذي يعرض فيه المد بينا من أطرافه وما يصب إليه من سائر المياه.

 وقالت طائفة اخرى: لو كان الجزر والمد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القِدْر وبسطته فيطلب أوسع منها فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الأرض بطبعه فيرجع اضطراراً بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرج والقمقم إذا فاض وتتابعت أجزاء النار عليه بالحمي، لكان في الشمس أشد سخونة.، ولوكانت الشمس علة مَدةلكان يمدمع بدء طلوع الشمس، ويجزرمع غيبتها فزعم هؤلاء أن علة الجزر والمد في الأبحرتتولد من الأبخرة التي تتولد من بطن الأرض؛ فإنها لا تزال تتولد حتى تكثف وتكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها فلا تزال كذلك حتى تنقص موادها من أسفل، فإذا انقطعت موادها تراجع الماء حينئذ إلى قعر البحر، وكان الجزر من أجل ذلك، والمد ليلاً ونهاراً، وشتاء وصيفاً، وفي غيبة القمروفي طلوعه، وكذلك في غيبة الشمس وطلوعها، قالوا: وهذا يُدرَك بالحس، لأنه ليس يستكمل الجزرآخره حتى يبدأ أول المد، ولا ينقضي آخر المد حتى يبتدىء أول الجزر لأنه لا يتغير توالد تلك البخارات، حتى إذا خرجت تولدَ غيرها مكانها، وذلك أن البحر إذا غارت مياهه ورجعت إلى قعره تولدت تلك الأبخرة لمكان ما يتصل منها من الأرض بمائة، وكلما عاد تولدت، وكلما فاض نقصت.وذهب آخرون من أهل الديانات أن كل ما لم يعرف له من الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فهو فعل الإِله، يدل على توحيد اللّه عزّ وجل وحكمته؛ فليس للمد والجزرعلة في الطبيعة البتة، ولا قياس .
 

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق