( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 438
استشهاد زيد بن علي
وفي أيامه استشهد زيد بن علي بن الحسين بن علي كرم اللّه وجهه، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل بل في سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقد كان زيد بن علي شَاوَرَ أخاه أبا جعفر بن علي بن الحسين بن علي، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة، إذ كانوا أهل غَدْر ومَكْر، وقال له: بها قتل جدُّكَ علي، وبها طعن عمك الحسن وبها قتل أبوك الحسين وفيها وفي أعمالها شتمنا أهْلَ البيت، وأخبره بما كان عنده من العلم في مدة ملك بني مروان، وما يتعقبهم من الدولة العباسية، فأبى إلا ما عزم عليه من المطالبة بالحق، فقال له: إني أخاف عليك يا أخي أن تكون غداً المصلوبَ بَكُنَاسة الكوفة وودَّعة أبو جعفر، وأعلمه أنهما لا يلتقيان.
وقد كان زيد دخل على هشام بالرُّصَافَة، فلما مَثَلَ بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه، وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى اللّه، ولا يصغر دون تقوى اللّه، فقال هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسُكَ في الخلافة، وأنت ابن أمَةٍ، قال: يا أمير المؤمنين، إن لك جوابً إن أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنه، فقال: بل أجِبْ، قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمَةً لأم إسحاق صلى الله عليهما وسلم، فلم يمنعه ذلك أن بعثه الله نبياً، وجعله للعرب أباً، فأخرج من صُلْبه خير البشر محمداً صلى الله عليه وسلم، فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو يقول:
شَردًهُ الخـوف وأ زْرَى بـه كذاك من يكره حر الجـلاد
منخرق الكفين يشكو الجـوى تنكثه أطراف مَـرْوٍ حِـدَاد
قد كان في الموت لـه راحة والموت خَتْم في رقاب العباد
إن يُحْـدِث الـلـه لـه دولة يترك آثارالعدا كـالـرمـاد
فمضى عليها إلى الكوفة وخرج عنها، ومعه القراء والأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقَفِي، فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال، وهو يقول متمثلاً:
أُلذَ الحياة وعـز الـمـمـات وكلا أراه طـعـامـاً وبـيلا
فإن كـان لا بـدَ مـن واحـد فَسِيرِي إلى الموت سيراً جميلا
وحال المساء بين الفريقين، فراح زيد مُثْخَناً بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته، فطلبوا من ينزع النصل، فأتي بحجام من بعض القرى، فاستكتموه أمره، فاستخرج النصل، فمات من ساعته، فدفنوه في ساقيه ماء، وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأجرى الماء على ذلك، وحضر الحجَّامُ مواراته فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحاً، فدلَه على موضع قبره، فاستخرجه يوسف، وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن اصلبهُ عرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية يخَاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ولم أرمَهْدِيّاً على الجذع يصلب وبَنَى تحت خشبته عموداً، ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وذَرْوِه في الرياح.
صنيع العباسيين بقبور الأمويين
قال المسعودي: وحكى الهيثم بن عدي الطائي، عن عمرو بن هانىء، قال: خرجت مع عبد اللّه بن علي لنْبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح، فانتهينا إلى قبر هشام، فاستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا خورمة أنفه، فضربه عبد اللّه بن علي ثمانين سوطاً، ثم أحْرَقَه، واستخرجنا سليمان من أرض دابق، فلم نجد منه شيئاً إلا صُلْبه وأضلاعه ورأسه، فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين، ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك، فما وَجَدْنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا فيه إلا عظماً واحداً، ووجدنا مع لحمه خطاً أسود كأنما خط بالرماد في الطول في لحده، ثم اتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم.
وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذا الموضع لقتل هشام زَيْدَ بن علي، وما نال هشاماً من المُثْلَة بما فعل بسلفه من الإحراق كفعله بزيد بن علي.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق