( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 429
تقدير ملك الروم لعمر
وبعث عمر وفداً إلى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين، وحَقّ يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسِّرُ عليه، وهو جالس على سرير ملكه، والتاج على رأسه، والبطارقة عن يمينه وشماله، والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوا له، فتلقاهم بجميل، وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غَدٍ أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة، فقال: هل تدرون لماذا دعوتكم. قالوا: لا، قال: إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاءني كتابه في هذا الوقت أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات، فما ملكوا أنفسهم أن بَكَوْا، فقال: ألكم تبكون، أو لدينكم، أو له، قالوا: نبكي لأنفسنا ولديننا وله، قال لا تبكوا له وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه قد خرج إلى خيرٍ مما خلف، قد كان يخاف أن يدع طاعة اللّه فلم يكن اللّه ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافة الآخرة، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يُحيى الموتى لظننت أنه يُحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطناً وظاهراً فلا أجد أمره مع ربه إلا واحداً، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكنى عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمِهِ فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب، أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا.
وصية الأعرج
وكتب عمر إلى أبي حازم المدني الأعرج أن أوصني وأوْجِزْ، فكتب إليه: كأنك يا أمير المؤمنين بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، والسلام.
ووقّعَ إلى عامل من عماله: قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما عَدَ لْتَ، وإما ا عتزلت، والسلام.
زهده بعد الخلافة
وذكر المدائني قال: كان يُشترى لعمر قبل خلافته الحلّة بآلف دينار، فإذا لبسها استخشنها ولم يستحسنها، فلما أتته الخلافة كان يُشترى له قميص بعشرة دراهم فإذا لبسه استلانه.
وخرج مع جماعة من أصحابه فمر بالمقبرة فقال لهم: قِفُوا حتى آتي قبور الأحبةِ فأسلم عليهم، فلما توسَّطها وقف فسلم وتكلم وانصرف إلى أصحابه فقال: ألا تسألوني ماذا قلت لهم وما قيل لي، فقالوا: وماذا قلت يا أمير المؤمنين وما قيل لك. قال: مررت بقبور الأحبة فسلمت عليهم فلم يردوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينا أنا كذلك إذا نوديت: يا عمر، أما تعرفني، أنا الذي غيرت محاسن وجوههم، ومزقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم، وأبَنْتُ أكفهم عن سواعدهم، ثم بكى حتى كادت نفسه أن تطفأ، فوالله ما مضى بعد ذلك إلا أيام حتى لحق بهم.
وذكر المدائني قال: كنت مطرف إلى عمر: أما بعد، فإن الدنيا دار عقوبة، لها يجمع مَنْ لا عقل له، وبها يغتر منْ لا علم له، فكن بها كالمداوي جرحه، واصبر على شدة الدواء، لما تخاف من عاقبة الداء.
بين عمر وعبد له
وذكر بعض الأخباريين أن عمر في عنفوان حداثته جنى عليه عبد له أسود جناية، فبطحه وهمَّ ليضربه، فقال له العبد: يا مولاي، لم تضربني. قال: لأنك جنيت كذا وكذا، قال: فهل جَنَيْتُ أنت جناية قط غضب بها عليك مولاك، قال عمر: نعم، قال: فهل عًجّل عليك العقوبة، قال: اللهم لا، قال العبد: فلم تعجل علي ولم يعجل عليك. فقال له: قم فأنت حرلوجه الله، وكان ذلك سبب توبته.
بين عمر وغلام ورد عليه في وفد الحجاز
وكان عمر يكثر هذا الكلام في دعائه فيقول: يا حليماً لا يَعْجَلُ على مَنْ عصاه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق