( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 401
كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمه
وكتب عبد الملك إلى الحجاج: أنت عندي سالم، فلم يعرف ما أراد بذلك، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يسأله عن ذلك، وبعث الكتاب مع رسول فلما ورد على قتيبة وناوله الكتاب ضرط الرسول، فخجل واستحيا، فقرأه قتيبة وأراد أن يقول له أقعد فقال: اضرط، قال: قد فعلت، فاستحيا قتيبة وقال: ما أردت إلا أن أقول لك اقعد فغلطت، فقال: قد غلطت أنا وغلطت أنت، قال قتيبة: ولا سواء، أغلط أنا من فمي وتغلط أنت من استك، أعْلِم الأمير أن سالماً كان عبداً لرجل، وكان عنده أثيراً، وكان يُسْعَى به إليه كثيراً، فقال:
يُدِيرُونني عن سالم وأديرهـم وجلدة بين العَيْنِ والأنف سالم فأراد عبد الملك أنك عندي بمنزلة سالم، فلما أتى الحجاج بالرسالة كتب له عهداً على خراسان.
وقد روي نحو هذا الخبر عن رجل كان في مجلس خالد بن عبد الله القَسْرِي فضرط، فلما حضر الغداء قام ذلك الرجل، فقال له خالد: اقعد، فأبى، فقال له: أقسمت عليك لتضرطن، قال: قد ضرطت، فخجل خالد، واعتذر إليه، وأمر له بمال.
وأهدي إلى عبد الملك أترسه مكللة بالمر والياقوت، فأعجبته، وعنده جماعة من خاصته وأهل خلوته، فقال لرجل من جلسائه اسمه خالد: اغمز منها ترساً، وأراد أن يمتحن صلابته، فقام فغمزه فضرط، فاستضحك عبد الملك، فضحك جلساؤه-، فقال: كم دية الضرطة. فقال بعضهم: أربعمائة درهم وقطيفة، فأمَرَ له بذلك، فأنشأ رجل من القوم:
أيَضْرُط خالد من غَمْزِتـرس ويحبوه الأمير بهـا بـدورا
فَيَا لَكِ ضَرْطة جلبت غنـاء وَيَا لَكِ ضَرْطة أغْنَت فقيرا
يَودُ الناس لو ضرطوا فنالـوا من المال الذي أعْطِي عشيرا
ولو نَعْلَم بأنَّ الضَّرْط يغنـي ضَرَطنا أصلحَ اللَّهُ الأمـيرا فقال عبد الملك: أعطوه أربعة آلاف درهم، ولا حاجة لنا في ضراطك.
عبد الملك يحج
وحدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي والطُّوسي وغيرهما في كتاب الأخبار المعروف بالموقعيات، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يزيد عن عُتْبَة بن أبي لهب، قال: حج عبد الملك فيَ بعض أعوامه، فأمر للناس بالعطاء، فخرجت بدرة مكتوب عليها من الصدقة فأبى أهل المدينة من قبولها وقالوا، إنما كان عطاؤنا من الفيء، فقال عبد الملك وهو على المنبر: يا معشر قريش، مَثَلُنَا ومثلكم أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين، فنزلا في ظل شجرة تحت صَفَاة، فلما دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حية تحمل ديناراً فألقته إليهما.، فقالا: إن هذا لمن كنز، فأقاما عليها ثلاثة أيام كل يوم تخرج إليهما ديناراً، فقال أحدهما لصاحبه: إلى متى ننتظر هذه الحية. ألا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه. فنهاه أخوه، وقال له: ما تدري لعلك تعطب ولا تدرك المال، فأبى عليه، وأخذ فأساً معه ورَصَدَ الحية حتى خرجت، فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها، فثارت الحية فقتلته، ورجعت إلى جحرها، فقام أخوه فدفنه، وأقام حتى إذا كان من الغد خرجت الحية معصوباً رأسها ليس معها شيء، فقال لها: ما هذه، إني واللّه ما رضيت ما أصابك، ولقد نهيت أخي عن ذلك، فهل لك أن نجعل اللّه بيننا أن لا تضريني ولا أضرك، وترجعين إلى ما كنت عليه. قالت الحية: لا، قال: ولم ذلك. قالت: إني لأعلم أن نَفْسَكَ لا تطيب لي أبداً وأنت ترى قبر أخيك، ونفسي لا تطيب لك أبداً وأنا أذكر هذه الشجَّة، وأنشدهم شعر النابغة:
فقالت: أرَى قَبْراً تراه مقابلـي وَضَرْبَةَ فَأْسٍ فوق رأسي فاقره فيا معشر قريش، وليكم عمر بن الخطاب فكان فَظّاً غليظَاَ مُضَيِّقاً عليكم، فسمعتم له وأطعتم، ثم وليكم عثمان فكان سهلاً ليناً كريماً فعدوتم عليه فقتلتموه، وبعثنا عليكم مسلماً يوم الحرة فقتلتموه، فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تُحِبُّوننا أبداً وأنتم. تْذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبداً ونحن نذكر مقتل عثمان.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق