( مروج الذهب، ومعادن الجوهر ) المسعودي
صفحة : 397
ورجع إلى مكانه بالدهليز، فبات فيه، فلما أصبح روح خرج إلى الصلاة فتبعه غلمانه، والفتى متنكر في جملتهم مختلط بهم، فلما عاد روح وافتتح باب حجرته تبين الكتابة وقرأها، فراعه ذلك وأنكره، وقال: ما هذا. فواللّه ما يدخل حجرتي إنسي سواي،- ولاحظ لي في. المقام بالعراق ثم نهض إلى بشر، فقال له: يا ابن أخي، أوْصِنِي بما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين، قال: أو تريد الشخوص يا عم. قال: نعم، قال: ولم. هل آنكرت شيئا أو رآيت قبيحاً لا يسعك المقام عليه. قال: لا واللّه، بل جزاك اللّه عن نفسك وعن سلطانك خيراً، ولكنْ أمر حَدَثَ، ولا بدَّ لي من الإِنصراف إلى أمير المؤمنين فأقسم عليه أن يخبره، فقال له: إن أمير المؤمنين قد مات أو هو ميت إلى أيام، قال: ومن أين علمت بذلك. فأخبره بخبر الكتابة، وقال: ليس يدخل حجرتك غيري وغير جاريتي فلانة، وما كتب ذلك إلا الجن أو الملائكة، فقال له بشر: أقم فإني أرجو أن لا يكون لهذا حقيقة، فلم يَثْنِه شيء، وسار إلى الشام، فأقبل بشر على الشراب والطرب، فلما لقي روح عبد الملك أنكر أمره، وقال: ما إقدامك إلا لحادثة حدثت على بشر، أو لأمر كرهته، فأثنى على بشر، وحمد سيرته، وقال: لا بل لأمر لا يمكنني ذكره حتى تخلو، فقال: عبد الملك لجلسائه : انصرفوا، وخلا بروح، فأخبره بقصته وأنشده الأبيات، فضحك عبد الملك حتى استغرق، وقال: ثقلت على بشر وأصحابه حتى احتالوا لك بما رأيت، فلا تُرَعْ.
عبد اللّه بن الزبير ينعي أخاه مصعباً: ولما اتصل قتل مصعب بأخيه عبد اللهّ أضرب عن ذكره حتى تحدث بذلك العبيد والإِماء في سكك المدينة ومكة، فصعد المنبر وجبينه يَرْشَح عرقاً، فقال: الحمد للّه ملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزِمن يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ألا إنه لن يذل اللّه من كان الحق معه، ولن يعز من كان أولياء الشيطان حزبه، إنه أتانا خبر من العراق أحزننا وأفرحنا، وهم قتل مصعب، فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذلك إلى كريم الصبر وجميل العزاء، وأما الذي أفرحنا فإن القتال له شهادة، ويجعل اللّه لنا وله في ذلك الخيرة، أما واللّه إنا لا نموت حتفاً كميتة آل أبي العاص وإنما نموت بعصاً بالرماح، وقتلاً تحت ظلال السيوف، ألا وإن الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا يتبدل، فإن تُقْبل الدنيا عليَ لا آخذها أخذ الأشَرِ البطِرِ، وإن تُدْبِرْ. عني لا أبكي عليها بكاء الحزين المهين.
الحجاج في مكة
فأتى الحجاج الطائف، فأقام بها شهوراً، ثم زحف إلى مكة، فحاصر ابن الزبير بها، وكتب إلى عبد الملك: إني قد ظفرت بأبي كبيس، فلما ورد كتابه على عبد الملك بحصار ابن الزبير بمكة والظفر بأبي كبيس كَبَّر عبد الملك فكبر من معه في داره، واتصل التكبير بمن في جامع دمشق فكبروا، واتصل ذلك بأهل الأسواق فكبروا ثم سألوا عن الخبر، فقيل لهم: إن الحجاج حاصر ابن الزبير بمكة وظفر بأبي كبيس، فقالوا: لا نرضى حتى يحمله إلينا مكبلاً على رأسه برنس على جمل يمر بنا في الأسواق الترابي الملعون، وكان حصار الحجاج لابن الزبير بمكة هلال في القعدة سنة اثنتين وسبعين، وفيها قتل مصعب وما ذكرنا من قول أهل دمشق في ابن الزبير فذكره عمر بن شبة النميري عن ابن عاصم ومنعِ ابن الزبير الحجاج أن يطوف بالبيت، ووقف الْحَجاجُ بالناس بعرفة محرماًَ في درع ومعفر، وهو من أبناء إحدى وثلاثين سنة، ونَحَر ابن الزبير بمكة، ولم يخرج إلى عرفة بسبب الحجاج، فكانت مدة حصار الحجاج لابن الزبير بمكة خمسين ليلة.
ابن الزبير وأمه أسماء بنت أي بكر
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق