142
( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) للمقدسي
الجزء الثاني
المفازة التي بين هذه أقاليم
أعلم أن بين أقاليم الأعاجم إلا الرحاب وخوزستان مفازة قد توسطتها، طولانية ليس بها نهر يجري ولا بحيرة ولا رستاق ولا مدينة، قليلة السكان كثيرة الدعار صعبة المسلك مبعضة الأعمال وحشة الجبال متباعدة القرى، مكامن ممتنعة وسبل منقطعة وعيون ضعيفة إلا أن الحياض والقباب في طرقها كثيرة وفراسخها قريبة وفي مواضع منها سباخ ورمال ومياه وغدران، قفرة مخيفة أكثرها من خراسان وبعضها من كرمان وبعض من فارس والجبال ومن بلد السند وسجستان، ومن أجل هذا كثر الدعار بها لأنهم إذا قطعوا في عمل هربوا إلى آخر وكمنوا في جبل كركسكوه أو سياه كوه حيث لا يقدر عليهم ولا يمكن الوصول إليهم، وليس بها من المدن إلا أسفيد وهي في حدود سجستان ويحيط بها من المدن المعروفة من كرمان خبيص زاور نرماسير كوه بيان، ومن فارس يزد كثة عقدة زرند، ومن أصفهان أردستان، ومن الجبال قم قاشان دزه، ومن قهستان طبس كري قاين خور، ومن الديلم بيار.
ومثلها كمثل البحر كيف ما شئت فسر إذا عرفت السمك إلا أن الطرق التي قد مثلناها في الشكل قد اشتهرت وسلكت من أجل الحياض والقباب المعمولة فيها. ولو أنا ... حتى نذكر جميع طرقها ومخارجها لتعجب الناظرمن ذلك، وأن منها لطرقاً تخرج إلى بيار وخسر وجرد ومواضع لا يؤبه بها. ولقد خرجنا من طبس نريد فارس فمكثنا فيها سبعين يوماً نعدل من ناحية إلى ناحية مرة نقع في طريق كرمان وتارة نقرب من أصفهان فرأيت من الطرق والمعارج ما لا أحصيه وهي جبال كلها رمال قليلة وعقاب هينة وسباخ صعبة وسرود وجروم ونخيل وزروع، ورأيت أسهلها وأعمرها طريق الري، وأصعبها طريق فارس، وأقربها طريق كرمان، وكلها مخيفة من قوم يقال لهم القفص يسيرون إليها من جبال كرمان قوم لا خلاق لهم وجوه وحشة وقلوب قاسية وبأس وجلادة لا يبقون على أحد ولا يقنعون بالمال حتى يقتلوا من ظفروا به بالأحجار كما تقتل الحيات، تراهم يمكسون رأس الرجل على بلاطة ويضربونه بالحجارة حتى ينصدع. وسألتهم عن ذلك قالوا لا تفسد سيوفنا ولا يفلت أحد إلا ندر. ولهم مكامن وجبال يمتنعون بها وكلما قطعوا في عمل هربوا إلى آخر قتالهم بالنشاب ومعهم سيوف. وكان البلوص أشر منهم حتى أبادهم عضد الدولة وأنكى في هؤلاء أيضا وعند صاحب فارس منهم أبداً أمة رهائن يذهب قوم ويرجع آخرون وإذا كان مع القوافل بذرقة من قبل سلطان فارس لم يتعرضوا لهم. وهم اصبر خلق الله على الجوع والعطش، زادهم شيء مثل الجوزيتخذ من النبق يتقوتون به. يدعون الإسلام وهم أشد على المسلمين من الروم والترك، إذا أسروا الرجل أمروه بالعدو معهم نحو عشرين فرسخاً حافي القدم جائع الكبد. ولا يرغبون في الدواب ولا يتعاطون الركوب إنما هم رجالة وربما ركبوا الجمازات، حدثني رجل كان من أهل القرآن وقع في أيديهم. قال: وجدوا كتبا وطلبوا في الأساري رجلاً يقرأ فقلت أنا فحملوني إلى رئيسهم فلما قرأت الكتاب قربني وجعل يسألني عن أشياء إلى أن قال ما تقولون في ما نحن فيه من قطع الطريق والقتل. قال: قلت من فعل هذا أستوجب من الله المقت والعذاب الأليم في الأخرة. قال: فتنفس الصعداء وأنقلب على الأرض وقد أصفر وجهه ثم أعتقني مع جماعة. وسمعت جماعة من التجار يقولون أن عندهم أنهم لا يظفرون إلا بأموال لا تزكى ويرون أن ما يأخذونه حق لهم واجب.
والجبال أعظمها وأمنعها كركسكوه إليه ينسب ما واجه الري من هذه المفازة وليس هو بالكبير غير إنه منقطع المرتقى ذو معاطف ومكامن ومخابئ خفية. ويليه فيما ذكرناه سياه كوه وهو دونه في الكبر غيرأنه منيع ويقع طريق الري بينهما عند قصر الجص وثم جوف.وبها من العجائب على فرسخين من رأس الماء نحو خراسان حجارة سود صغار نحو أربعة فراسخ. عند قبر الحاجى نحو بارسك حصى صغار بعضها في لون الكافور بياضاً وبعضها في لون الزجاج خضرة. بين خراسان وكرمان صورة لوز وتفاح وعدس وباقلى من حجارة وصورة عدة من الناس وقصرعجيب فيه تماثيل وعقود دقيقة وهو أعجوبة لم أر مثله.
وأما صفة المنازل التي ابتدأنا بذكرها دير الجص: وهو من آجر كل اجرةمتل اللبنة العظيمة واسع كثير المرافق عليه أبواب حديد وعلى بابه بقال مقيم وحياض الماء خارج منه مدورة يجتمع فيها ماء المطرغير أني رايته شعثاً. كاج: كانت قرية على رابية وقد خربت وانجلى أهلها أظن من القفص، وتفترق منها الطرق واحدة هى التي ذكرنا وفيها عبرنا والأخرى إلى قم مرحلة ثم إلى قرية المجوس مرحلة. بدرة: حصن لها مزارع وبها نحو من خمسين داراً. رباط ابن رستم: به ماء جار إلى حوض في الرباط. دانجى: قرية كبيرة عامرة. وهذه أعمر طرق المفازة لأنها على تخوم الجبال. ومن كركسكوه إلى الدير أربعة فراسخ ومنه إلى سياه كوه خمسة. ولم أسلك طريق نيسابور إلى أصفهان إلا أنهم يذكرون أنها أنيسة مسلوكة وبها رمال صعبة. رباط كوران: حصن به من يحفظه وخارج منه عين مالحة يشربونه. أرزمة: ثلاثة آبار لا تفي بالقوافل الكبار. الهلبي: عين ضعيفة عندها رباط خرب. رباط آب
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق