إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

107 ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) للمقدسي الجزء الثاني إقليم الجبال



107


( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) للمقدسي

 الجزء الثاني
  
 إقليم الجبال

 هذا إقليم حشيشه الزعفران، وشراب أهله العسل والألبان، وأشجاره الجوز والأتيان، نزيه بهي خصيب وله شان، به الري الجليلة وهمذان، والكورة النفيسة إصبهان، وسيظهر لك فضله إذا وصفنا البلدان، وذكرنا الدينور الظريفة وكرمان شاهان، ونعتنا نهاوند وقم وقاشان، ووصفنا دماوند وقرج وقصران، لا حربه ولا براغيث ولا ذبان، ولا أفاعي ولاعقارب ولا ديدان، في الصيف جنة وروضة وبستان، وفي الشتاء الحطب والفحم مجان، ونمكسود يحمل إلى خراسان، وأعناب وتفاح إلى الحول يدومان، وعلم كثير وعقل وحذق واتقان. غير أنه شديد البرد ترى خدودهم في الشتاء مشققة، وأطرافهم أبداً مخضرة، ووجوهم مصفرة. وأنوفاً سائلة، إما غوال حنابلة. يفرطون في حب معاوية، أو نجارية غالية، يقطعون بالكفر على الطوائف الهادية. وكم ترى به من خسف وزلزله، وجورسلطان وبلبله، أبداً في انجلاء وغلغله، ومن حلة من معلاه اومسفله، تراه من بردهم والهواء في مشغله، وأفهم ما أقول ثم اعقله. كلما أشرف على العراق من حد الصيمره فهي الجبال المنعوتة المصورة، وفي أصفهان لي مقالة منورة، يعرفها الفقيه أن تدبره، لارفع الخلاف والمناظرة. وهذه صورته.

 وقد جعلنا هذا الإقليم ثلاث كور وسبع نواح وأدخلنا أصفهان في العدد وألحقناها بطرف الصورة وأفردنا وصفها وزدنا فيه الأشكال التي فيها والمعاني التي نذكرها. فأول الكور من قبل الرحاب الري ثم همذان ثم إصفهان والنواحي: قم، قاشان، الصيمرة، كرج، ماه الكوفة. ماه البصرة، شهرزور.

 فأماالري فإنها كورة نزيهة كثيرة المياه جليلة القرق حسنة الفواكه واسعة الأرض خطيرة الرساتيق وهي التي أهلكت عمربن سعد الشقي حتى قتل الحسين بن علي ثم أختارها مع النار حيث يقول اخزاه الله:         
  أأترك ملك الري والري رغبة                      أم آرجع مذموماً بقتل حسين
  وفي قتله النارالتي ليس دونها                      حجاب وملك الري قرة عين وفي الأخبار أنها كانت منابت شؤم وإلى ذلك تعود الري ملعونة وهي على بحر عجاج وتربتها لعينة تأبى أن تقبل الحق. وقال هارون الرشيد الدنيا أربعة منازل دمشق والرقة والري وسمرقند. ورسم الري روي بن بيلان بن أصفهان، وفي الخبر أن الري باب من أبواب الأرض وإليها مستجره الخلق. وقال الأصمعي الري عروس الدنيا وسكة الأرض طيبة الهواء واسطة. محراسان وجرجان والعراق ما عرفت لقصبتها اسماً آخر ولها من المدن: آوة، ساوة، قزوين، أبهر، شلنبة، الخوار، ومن النواحي: قم، دماوند، شهرزور. ومن الرساتيق: قوسين، قصران الداخل، قصران الخارج، سر، بهزان، قرج، جنى، سيرا، فيروزرام.

 وأما همذان فإنها كورة متوسطة في الإقليم جليلة المدن قديمة الرسم. أختطها همذان بن الفلوج بن سام بن نوح عم. وقد قيل الجبال عسكر وهمذان أميره، وهي عذبها ماء واسعة الأقطار غزيرة الأنهار ملتفة الأشجار لذيذة الثمار كثيرة المقاتلة وأعجبني رستاقها غاية الإعجاب. وقرأت في بعض الكتب أن الري وأصفهان ليسا من بلاد البهلويين وإنما هي: همذان، وماسبذان، ومهرجانقذق وهي الصيمرة، وماه البصرة وهي نهاوند، وماه الكوفة وهي الدينور. ولها من المدن: أسذاواذ، آوه، بوستة، رامن، وبه، سيراوند، روذراور، طزر، والنواحي: ماه الكوفة، ماه البصرة، ماسبذان.
 

  وأما أصفهان فإن قياسها من مسائل الشريعة ونظيرها على هذه الطريقة سؤر البغل والحمار على مذاهب شيوخنا أهل العراق. قالوا لما أخذا الشبه من أصلين مختلفين وشاكلا حكمين متباينين احتيط في بابهما وأعطى كل أصل حظا منهما، ألا ترى أنهما قد شاكلا السنور في سكناهما البيوت وتعذر التحرز من اسارهما وشابها الكلب في تحريم لحومهما فأعطيا من كل أصل حكماً. فكذلك أصفهان لما شاكلت هذا الإقليم في اللسان والرسوم ودخلت في حدود فارس وتربعت بها التخوم وجب أن نعطيها من كل إقليم حظاً ونجعل لها مزية وحكماً، فحظها من هذا الإقليم الذكر والوصف وسهمها من فارس الخطة والرسم. فإن قيل فهلا جعلتها كالأذنين في قول الشافعي لما وقع الإختلاف هل هما من الرأس أو الوجه جعل لهما حكماً ثالثأ وماء جديداً ومسحاً مفرداً. فكذلك أصفهان لما قيل هي من فارس وقيل هي من الجبال وجب أن تميز عنهما ويفرد رسمها وتجعل حاجزاً بينهما. فالجواب أن هذا القياس فاسد لأنك لم تجمع بينهما بعلة وكل من قاس فرعاً على أصل بلا عفة جامعة فقياسه فاسد. فإن قيل العلة الجامعة بينهما أن كل واحد منهما يتجاذبانه شيء محدود بسبب قوي: فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال الأذنان من الرأس  فرفع عنا الشك والاشكال فكيف نجعله أصلاً لما نحن منه في شك. فان قيل معنى قوله من الرأس أي هي في الرأس، فالجواب حاشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما لا فائدة فيه لأن كل احد يعلم أنها في الرأس وإنما أراد الحكم الذي يختلف فيه لا الموضع، ألا ترى أن أحداً لا يقول هي في الرقبة أو الكتف، وأيضاً لوصح هذا الأصل لم يصح قياس أصفهان عليه لأن ذلك يخالف الأصول وتصيرأربعة عشر إقليماً وكورة فتبقى الكورة بلا نظير، كما قلنا لايجوز البرتر بركعة لأنه لا نظير لها في الأصول. فان قيل وما نظير الأربعة عشر إقليماً التي ابتدعتها وقسمت مملكة الإسلام عليها، فالجواب نظيرها وضع المنجمين العالم كله أربعة عشر إقليماً سبعة عامرة وسبعة غامرة فلو أنهم ميزوا منها قطعة أو فضلوا عنها ناحية لصح قياس أصفهان عليها. فإن قيل فهلا جعلتها كالأذنين أنهما من الرأس لا محالة فقلت هي من فارس لا محالة، فالجواب التعارف أصل في مذهبنا وهو مقدم على القياس كما قدمنا وقد تعارف الناس أنها من الجبال. فإن قيل فاجعلها من الجبال إذا، فالجواب أن أختطاط الملوك وتسمياتهم ووضعهم عندنا وفي علمنا من الأصول أيضاً ومثلهم. في هذا الفن كالصحابة في علم الشريعة فكما أنه ليس للفقهاء أن يخالفوا الصحابة فيما رأوه كذلك ليس لنا أن نخالف الملوك فيما رسموه وهم قد أدخلوا أصفهان في رسوم فارس وربعوا بها وبالروذان التخوم فصار هذان أيضاً أصلين يتجاذبان أصفهان من هذا الوجه فلم نر وجهاً غير حملنا إياها على القياس المذكور.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق