2393
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد السابع: إسرائيل.. المستوطن الصهيوني
الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني
الباب الرابع: نظرية الأمن
تطـــــوُّر مفهـــــوم الأمـــــن القومــــي الإســـرائيلي
Development of the Israeli Concept of National Security
ينطلق الأمن القومي الإسرائيلي من مقولة في غاية البساطة والسذاجة وهي أن فلسطين أو إرتس يسرائيل هي أرض بلا شعب، ومن ثم إن وجد مثل هذا الشعب فلابد أن يغيب، أي أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ينطلق من إنكار الزمان العربي والوجود العربي، والفلسطيني على وجه التحديد. وهذا يعني ضرورة فرض الوجود الصهيوني والشروط الصهيونية بكل الوسائل المتاحة،أي أن ردع العرب وإضعافهم هوهدف أساسي للأمن القومي الإسرائيلي، وأن على الجيش الإسرائيلي أن يحتفظ بقدرته العسكرية، وأن على الدولة الصهيونية أن تحتفظ بعلاقاتها المتينة بالعالم الغربي الذي يدعمها ويمولها ويضمن تفوقها العسكري الدائم.
ومع هذا طرأ على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بعض التعديلات نتيجة الحروب العربية ـ الإسرائيلية، والمتغيرات والمعطيات الجغرافية والسـياسـية الناجمة عنهـا، وما تغيَّر عبر هذه السنوات فقط أدوات تحقيق هذا الأمن ولكن ليس بمعنى التغيُّر الكامل أو الإحلال. وقد تطور مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي عبر عدة مراحل:
* قام مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي في مرحلته الأولى على مفهوم "الضربة المضادة الاستباقية"، الذي كان يرتبط بانعدام العمق الإستراتيجي لإسرائيل. وينطلق هذا المفهوم من مقولة مفادها أن من الحيوي عدم السماح مطلقاً بأن تدور الحرب في أرض إسرائيل، بل يجب نَقْلها وبسرعة إلى أراضي العدو، وطوَّرت مفهوماً للردع ثم استبدلته بمفهوم لذرائع الحرب الاستباقية يقوم على شن حرب استباقية إذا حاول العدو (العربي) التصرف في أرضه على نحو يقلق إسرائيل مثل المساس بحرية العبور أو حشد قوات على الحدود الإسرائيلية أو حرمانها من مصادر المياه. ولذا كانت عملية تأميم قناة السويس تستدعي عملاً عسكرياً تمثَّل في عملية قادش أو ما نسميه «العدوان الثلاثي».
* تطـوَّر مفـهوم الأمن القـومي الإسرائيلي لتظهر نظرية "الحدود الآمنة". وهي نظرية وُضعت أُسسها قبل 1967 لكنها تبلورت بعد حرب 1967، وقد شرحها آبا إيبان وزير الخارجية آنذاك بأنها نظرية تقـوم على حدود يمكن الدفــاع عنهــا دون اللجــوء إلى حرب وقائية. ويُلاحَـظ في هذه النظريــة غلبة المكان على الزمان بشكل تام، إذ يُنظَر للشـعب العــربي باعــتبار أنه يجـب القضـاء علـيه تماماً أو تهميشه، فنظرية الحدود الآمنة إعلان عن نهاية التاريخ (العربي).
* أكدت حرب 1973 فشل معظم نظريات الأمن الإسرائيلي المكانية وهو ما استدعى تكوين نظرية جديدة هي نظرية «ذريعة الحرب»، وتذهب هذه النظرية إلى أن إسرائيل لن تتمكن بأي شكل من الأشكال من الامتناع عن تبنِّي إستراتيجية الحرب الوقائية وتوجيه الضربات المسبقة في حال تَعرُّضها لتهديد عربي.
وأضافت إسرائيل إلى هذا التصوُّر مفهوم حرب الاختيار، ومفهوم ذريعة الحرب كمبررات لشن حرب من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو أمنية مزدوجة المعايير. كما تم تطوير إستراتيجية الردع النووي. لذا شهدت هذه الفترة عَقْد اتفاق التعاون الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة عام 1891 من ناحية والذي تَوافَق من ناحية أخرى مع صعود اليمين الأمريكي الذي كان يسعى إلى تصعيد المواجهة مع الاتحاد السوفيتي. وقد شُن في تلك الفترة الهجوم على العراق ثم لبنان ثم تونس، في حين أوكلت باقي المهام الأمنية لجهاز السياسة الخارجية وجهاز الاستخبارات الإسرائيلية اللذين قاما بجهودهما لإجهاض الكفاءات العسكرية العربية كما قاما بأنشطة مشبوهة في أعالي النيل والقرن الإفريقي وغيرها (انظر: «البُعْد الصهيوني في السياسة الخارجية»).
وقد حوَّلت الانتفاضة (والمقاومة في الجنوب اللبناني) الأنظار عن مفهوم الحرب الخاطفة إذ طرحت إمكانية "حرب طويلة" تعتمد على الاحتكاك المباشر على الأرض التي يُفترض أنها لا شعب لها ولا تاريخ. ولذا فقد نظر الصهاينة إلى الانتفاضة باعتبارها حرب عصابات شعبية غير مسلحة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية معادية لإسرائيل، هي فك الجيب الاستيطاني الصهيوني، الأمر الذي يعني طَرْح قضية شرعية الوجود وبحدة. بل إن الانتفاضة هدَّدت البُعد الوظيفي، إذ أن الجيش الصهيوني فَقَد هيبته وأثبت عجزه عن خوض الحرب الطويلة وهي نقطة قد تكون فاصلة في حالة نشوب صراع مع العرب. وإذا كانت الدولة الوظيفية قد فَقَدت مقدرتها على قمع المواطنين الأصليين داخلها، فكيف سيمكنها أن تضطلع بوظائفها القتالية الأخرى؟
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق