78
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية
الدّرس الثاني عشر : حيَاة المجْتمَع الرّوحيَّة
2 – التفسِيرَاتُ المثَاليَّة
فلنعد إلى الموقف المثالي الذي بدأنا منه فهو أكثر المواقف انتشاراً ويتخذ وجوهاًعدة منها:
أ) أقدم النظريات وأشدها غموضا هي النظرية الدينية اللاهوتية. فهي ترى في حياة المجتمعات المادية انعكاساً للفكرة الإلهية وتحقيقاً لمخطط وضعته العناية الالهية. فالنظام الاجتماعي صادر عن الإرادة الآلهية. ولما كانت الطبيعة والعقل البشري لا يتغيران فكل تغيير في المجتمع كفر والحاد وهو من عمل الشيطان لأنه مس لارادة الله، ولهذا كانت كل فكرة تدعو للتغيير آثمة. وقد تولد عن هذه النظرة النزعة الأكليركية التي تقول بأن الأكليروس، وهو المؤتمن على اسرار الله، يمكنه أن يضمن النظام "الاجتماعي" وقامت البرجوازية الثورية بمحاربة هذه النظرية التي كانت تلائم تماماً المجتمع الإقطاعي.
ب) ثم تأتي نظرية مثالية جوهرها برجوازي وقد توسع بها فلاسفة القرن الثامن عشر الفرنسي. فقد قاموا بمحاربة "الحق الإلهي" باسم "الحق الطبيعي" و "الديانة الطبيعية" وباسم "العقل". فكانوا يقولون بأن النظام الاقطاعي فوضى لأنه لا يتفق ومتطلبات العقل الذي يجد كل إنسان صورته في نفسه. يجب إذن تغيير المجتمع باسم العقل الشامل الخالد، فيصبح النظام الاجتماعي أخيراً انعكاساً للنظام العقلاني.
وهذه النظرية كالسابقة مثالية بالرغم من أنها تمثل خطوة للإمام بالنسبة للنظرية السابقة لأنها تعبر عن أفكار البرجوازية الثورية أمام أفكار الإقطاعية الرجعية. فهي لا تتساءل عن أصل الأفكار بل هي تعتبرها معطى اولياً يتولد منه واقع المجتمعات المادي.
يجب أن نلاحظ، مع ذلك، أن فلاسفة القرن الثامن عشر الماديين – ولا سيما هلفتيوس أدركوا أن أفكار الإنسان هي ثمرة تربيته. كما إنهم ألحوا على القول حول تعدد النظريات الفكرية في المجتمعات عبر الزمان والمكان ـ ولكنهم كانوا يجهلون علم المجتمعات الذي سيؤسسه ماركس، ولذلك عجزوا عن الاندفاع في التحليل أكثر مما فعلوا.
ج) يجب أن نعترف لهيجل بمكانة مهمة. فلقد قام في كتابه "فلسفة التاريخ" بدراسة العلاقات بين التطور المادي والتطور الروحي في المجتمع. ولما كان مثالياً فلقد أقام "الفكرة" السيدة، في البدء، التي تولد المجتمع ولا تقل في ذلك عن الطبيعة. وما التاريخ إلا عبارة عن تطور الفكرة. وهكذا يصبح تاريخ اليونان القديم عبارة عن تجلي فكرة الجمال. وكذلك يكون سقراط وعيسى المسيح ونابوليون لحظات من لحظات الفكرة.
ولما كان هيجل جدلياً فهو يقوم في بعض الأحيان بتحاليل رائعة. غير أن نزعته المثالية تقضي به إلى أن يجعل للرجال العظام دوراً كبيراً مبالغا فيه فيمسون العوامل الوحيدة للتقدم التاريخي. كان لا بد لهذا الجانب من فلسفة هيجل أن تستغله بوقاحة الفلسفة الفاشية التي تعتقد أن الشعب لا شيء، وأن "السوبرمن" المعصوم هو كل شيء. ولهذا قال أحد المعجبين بالدوتسي "الفاشية هي ما يفكر به موسوليني في هذه اللحظة" كما كان هتلر يقول أمام فرق الصاعقة: "سأفكر من أجلكم".
د) الصورة الأخرى للنزعة المثالية علم الاجتماع الذي وضعه دور كهايم وزملاؤه.
لربما تولت الكثيرين الدهشة إذا قلت لهم بأن علم الاجتماع الذي وضعه دور كهايم مثالي. ألم يهاجم علماء الاجتماع اللاهوت والميتافيزيقا؟ ألم يحاولوا دراسة الوقائع الاجتماعية (كالمؤسسات، والقانون، والعادات) دراسة موضوعية حسب تطورها وهم خالو الذهن من أي رأي سابق بصددها. لا شك أنهم أرادوا ذلك ولكن الفرق الكبير بين الارادة والفعل. إذ أن علماء الاجتماع البرجوازيين، عادة، يفسرون التغيرات المادية بواسطة نمو "الوعي الجماعي" الذي يظل سراً غامضا في ذاته.
فيبدو تاريخ المجتمعات عندئذ كتحقيق مستمر للمطامح الأخلاقية التي تكمن في الوعي الإنساني منذ العصور الأولى. فلماذا يتطور "الوعي الاجتماعي" باتجاه معين ولا يتخذ أتجاها أخر؟ لا أحد يدري. ذلك لأن علماء الاجتماع يجهلون (أو يتجاهلون) الإنتاج، ونضال الطبقات وهما من عوامل التاريخ. بل يفضلون العوم على السطح. فإذا وجد الضمان الجماعي فما ذلك الا لأن "الأفكار تطورت" لأن كل شيء يرجع كما ترى فلسفة ليون برنشفيك إلى "تقدم الوعي".
هـ) يجب أن نشير إلى أن من بين أبطال النزعة المثالية المندفعين في هذا الميدان برودون الذي تحدثنا عنه سابقا يرى برودون أن تاريخ المجتمعات هو تجسيد مستمر لفكرة العدالة "الكامنة" في "الوعي" منذ بداية الإنسانية. ولهذا كانت علاقات الإنتاج تحقيقاً "للمقولات الاقتصادية" التي ترقد في "عقل الإنسانية".
وهذا الوعي غير المحدث ـ أو "العبقرية الاجتماعية" كما يقول برودون ـ ماثل في التاريخ بأكلمه. فهو يفسر كل شيء ولا شيء يفسره. ولما كان الوعي هو ما هو عليه انتهى الأمر ببرودون إلى إنكار واقع التاريخ نفسه.
ليس من الصحيح القول بأن شيئا من الأشياء يحدث أو أنه ينتج لأن كل شيء موجود في المدنية وفي الكون يفعل منذ القدم. وكذلك شأن الاقتصاد الاجتماعي" ولا شيء جديد تحت الشمس. وهكذا يزول التاريخ بجرة قلم.
نلاحظ أن برودون الذي يثور دائماً ضد الجزويت ورجال اللاهوت باسم الوعي ـ برودون الذي يتبجح بمعارضة "نظام الثورة" (أي نظامة) "بنظام الوحي"، برودون الذي يخيفه تنظيم البروليتاريا الثوري فيتولاه الذعر أمام العمل فيجعل من حزب العمال "كنيسة" كما يفعل اليوم زملاؤه الاشتراكيون الديمقراطيون ـ هو نفسه ضحية الأفكار الأكلييركية التي يخيل إليه أنه يحاربها. لأن "الوعي" بالنسبة للبرجوازي الذي يخيل إليه أنه معيار العالم والتاريخ ليس سوى الآله القديم بعد أن أصبح علمانياً بصورة غامضة. وهكذا تكون فلسفة برودون مثالية في أصلها.
وقف ماركس في وجه هذه الفلسفة في أحد كتبه الرائعة: "بؤس الفلسفة" (1847) فكتب يقول: "لنقل كما يقول السيد برودون أن التاريخ الحقيقي الذي يسير حسب الزمن هو التتابع التاريخي الذي ظهرت فيه الأفكار والمقولات والمبادىء" .
فلقد كان لكل مبدأ عصره الذي ظهر فيه، فظهر مبدأ السلطة، مثلاً، في القرن الحادي عشر، كما ظهر مبدأ النزعة الفردية في القرن الثامن عشر. وهكذا كان العصر ينتمي للمبدأ وليس المبدأ هو الذي ينتمي للعصر، أي أن المبدأ هو الذي يضع التاريخ وليس التاريخ هو الذي يضع المبدأ. حتى إذا ما تساءلنا، كي ننقذ المباديء والتاريخ معاً، لماذا ظهر مبدأ ما في القرن الحادي عشر أو في القرن الثامن عشر بدلا من أن يظهر في عصر أخر، اضطرنا ذلك للبحث عن حالة الناس في القرن الحادي عشر وحالتهم في القرن الثامن عشر، وما هي حاجاتهم وقواهم الإنتاجية وطريقتهم في الإنتاج والمواد الأولية لهذا الإنتاج وأخيراً كيف كانت العلاقات بين الناس، تلك العلاقات التي هي ثمرة لهذه الظروف الحياتية.
أليس تعمق جميع هذه المسائل هو صنع للتاريخ الحقيقي للناس في كل عصر وتمثيل هؤلاء الناس على أنهم أبطال مأساتهم وممثلوها في نفس الوقت؟ ولكن حينما ننظر للناس على أنهم ممثلو تاريخهم وأبطال هذا التاريخ نصل من وراء ذلك إلى نقطة البداية الحقة لأننا تخلينا عن المبادىء الخالدة التي تحدثنا عنها آنفا .
ويصح نقد ماركس لبرودون على جميع صور النزعة المثالية التي اشرنا اليها في المقاطع (أ) (ب) (ج) (د) لاننا نجد في جميع هذه الحالات أن الواقع ينظر إليه بالمقلوب حتى يصبح تفسير الأفكار الحسي غير مفهوم. وتدلل النزعة المادية الجدلية، التي تعيد الأشياء إلى أوضاعها الصحيحة، على أن الأفكار الاجتماعية هي انعكاس لتطور التاريخ المادي الموضوعي. لأن النزعة المادية الجدلية وحدها هي التي تقيم دعائم علم النظريات الفكرية.
فالنزعة المثالية تعلن عن الأفكار وتقوم بعرض لها آخذة على "النزعة المادية" "الملعونة" أنها تنكر الأفكار (وسنرى أن هذا غير صحيح) والحقيقة أن النزعة المثالية تتحدث عن الأفكار بقدر جهلها لها، فهي تطلب منها أن تفسر كل شيء وأن ظلت هذه الأفكار غير مفهومة لها.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق