77
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية
الدّرس الثاني عشر : حيَاة المجْتمَع الرّوحيَّة
1 – مثَال
نقرأ في بعض نشرات الأونسكو أن السلم لا يمكن تحقيقه إلا بواسطة "تهدئة العقول"، وأنه يجب، إذا ما أردنا القضاء على الحرب، القضاء عليها في عقول الناس. لأن سبب الحروب ذاتي. أو كما يقول المحللون النفسيون هناك "غريزة للاعتداء" تكمن في وعي كل إنسان أو ما يسمى "بالكراهية الموروثة".
مثل هذه النظرية، عن أسباب الحرب، هي نظرية مثالية يختلف عنها موقف النزعة المادية الماركسية، فهي تقول أن سبب الحروب يكمن في واقع المجتمعات الموضوعي. أصل الحروب في عصر الاستعمار الأزمات الاقتصادية التي تؤدي إلى البحث عن أسواق جديدة بواسطة القوة. وهذا قانون موضوعي وهو قانون الفائدة القصوى الذي يفسر لنا الحروب. أما فيما يتعلق بالأمور الذاتية (كفكرة الحرب) (والكراهية وغريزة الاعتداء) فهي تتولد عن التناقضات المادية التي توجد وضعاً موضوعياً للحرب. والواقع الموضوعي هو الذي يفسر لنا ظهور الأمور الذاتية وليس العكس.
يمكننا أن نستشهد بغير ذلك من الأمثلة. ويلاحظ بصورة عامة أن العصور الحالية تظهر تعارضا قويا بين النظرية الفكرية للرأسمالية في النزع الأخير، وهي نظرية فكرية تقوم على العداوات القومية والعنصرية وعلى السلب والحرب ، وبين النظرية الفكرية للاشتراكية المنتصرة، وهي تقوم على التعاون والإخاء بين الأمم والأفراد كما تقوم على السلم. ولقد عبر بول اليوار عن هذا النضال بين النظريات الفكرية المتناقضة في شعر رائع.
يجعلنا الواقع الموضوعي للمجتمعات ندرك، في كلتا الحالتين، ـ حالة الرأسمالية والبرجوازية الكبرى من جهة وحالة الاشتراكية والحركة العمالية من جهة ثانية ـ نضال الأفكار لأن حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لحالته المادية.
وتتعدد وجوه حياة المجتمع الروحية من فن وقانون ودين، الخ. ولا يمكننا أن ندرس هذه الوجوه جميعاً بالتفصيل. وإذا رجع القاريء إلى كتاب "النزعة المادية الجدلية والنزعة المادية التاريخية" لوجد ستالين يلح في القول على الأفكار الاجتماعية والنظريات الاجتماعية والآراء السياسية والمؤسسات السياسية وذلك نظراً لأهميتها العملية الكبرى.
الأفكار الاجتماعية: وهي الأفكار التي يكونها الفرد في مجتمع معين حول مكانه في الوجود، وكذلك الأفكار عن الملكية والأفكار الأخلاقية عن العائلة والحب والزواج وتربية الأطفال (أو ما يسميه فلوبير بالأفكار "الموروثة") وكذلك الأفكار التشريعية. مثال ذلك الفكرة البرجوازية القائلة بأن حق الملكية "حق طبيعي" قائم بذاته.
وتعبر هذه الفكرة عن الواقع المادي، وهو أن الملكية الخاصة هي أساس المجتمع البرجوازي، ولما كانت ملكية وسائل الإنتاج لا تُمس في نظر البرجوازية المتملكة، كانت فكرة الملكية الخاصة، في رأي الأخلاق البرجوازية، معطى أساسياً.
النظريات الاجتماعية: وهي النظريات التي تجعل من الأفكار الاجتماعية التي أشرنا إليها سابقا مذهبا وعقيدة تجريدية. مثال ذلك نظرية "المدينة" عند أفلاطون، ونظرية الدولة عند هوبس وجان جاك روسو وهيجل ونظريات الخياليين الاجتماعية أمثال بابوف وسان سيمون الخ...
الآراء السياسية: وهي الآراء الملكية أو الجمهورية المحافظة أو المتحررة الفاشية أو الديمقراطية الخ...
والأفكار حول حرية الرأي والاجتماع والتظاهر الخ..
المؤسسات السياسية: أي الدولة ومختلف أجزاء نظام الدولة. وهناك فرضية ماركسية مهمة جدا تعتبر الدولة عنصراً من حياة المجتمع الروحية فهي تعكس حياته المادية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق