51
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثاني : دراسة المادية
الفلسفية الماركسية
الدّرس الثامِن : مَا هي النظرة الماديَّة للعَالم؟
5 – تتعَارض "المَادية" مَع "المثاليَة" في التَطبيق وَفي النَظريَّة
نستطيع الآن العودة إلى الجوابين اللذين يُذكران عادة للرد على السؤال الرئيسي في الفلسفة. ويتضح أن هذين الجوابين ينفي كل منهما الآخر بصورة مطلقة وأنه لا يمكن الا أن يكون واحد منهما صحيحا. فلماذا لم يعرف الناس، لأول وهلة الجواب الصحيح؟ سوف نرى سبب ذلك فيما بعد، عند حديثنا عن أصول النزعة المثالية.
يكفينا أن نلاحظ الآن أنه، لما كانت النزعة المثالية والنزعة المادية تنفي كل منهما الأخرى، فلا يمكن أن يكون هناك سوى جواب واحد صحيح، فأننا أمام تناقض.
وهكذا فأن النزعة المثالية والنزعة المادية تكوِّنان وحدة لا يمكن فصل احداهما عن الأخرى، كما لا يمكن فصل الضد عن ضده. فكل تقدم تحرزه أحداهما هو تأخر بالنسبة للاخري. وهكذا فان تقدم النزعة المادية أنما هو ضربة تنزل بالنزعة المثالية. كما أن كل تأخر يصيب النزعة المادية انما هو تقدم للنزعة المثالية. تعني وحدة الضدين هذه أن النضال بين النزعة المثالية والنزعة المادية لا مفر منه وأنه لا يمكن التوفيق بينهما: (راجع الدرس الخامس، 3، والدرس السابع، الخلاصة العامة).
وهذا مهم لأن بعض الفلاسفة المثاليين يحاولون تشويه الماركسية فيدعون أن المادية الجدلية عبارة عن مركّب (synthese) يتخطى التناقض بين المادية والمثالية. ولا يمكن لمثل هذا "المركب" في الحقيقة الا أن يكون ستارا تختفي وراءه المثالية.
صحيح أن ماركس كتب يقول بأن المادية الجدلية ستقضي على التعارض القديم بين المادية والمثالية. وهو يعني بذلك أن المادية الجدلية تسمح بفض النقاش الذي استمر آلاف السنين؛ وذلك بانتصار المادية التي اكتمل نموها وجعلت المثالية تنهزم أمامها انهزاما لا مرد له. يمكن حل التناقض إذن بالنضال ضد المثالية . وليس بمحاولة التوفيق بينها وبين المادية كما رأينا ذلك في دراستنا للجدلية. ولهذا النضال النظري أهمية عملية كبرى. وذلك لأن هاتين النظرتين المتعارضتين للعالم تسيطران على مواقف عملية متعارضة.
يمكن تجنب الصاعقة بواسطة طريقتين: اما باستخدام القضيب المضاد لها أو بإشعال شمعة والتوسل إلى السماء. وتعتمد الطريقة الأولى على الفكرة القائلة بأن الصاعقة ظاهرة مادية لها أسبابها المادية المعينة ويمكن تفادي نتائجها بواسطة الوسائل التي تمدنا بها المعرفة العلمية وآلاتها وأما الطريقة الثانية فهي تعتمد على الفكرة القائلة بأن الصاعقة هي قبل كل شيء، مظهر من مظاهر غضب الله وقوته، لها أسبابها الخارقة ولهذا يمكن تفاديها بوسائل سحرية خارقة كالشمعة أو الصلاة، عن طريق تأثير الروح الإنساني في الروح الإلهي، وهكذا، تؤدي طريقة تصور أسباب الظواهر إلى طريقة تصور الوسائل العملية المختلفة وهي وسائل مادية في الحالة الأولى، روحية في الحالة الثانية، وكذلك تصور النتائج العملية المختلفة.
ولهذا التعارض النظري نتائج أخرى عملية إذ ليس من الصعب أن ندرك أنه كلما انتشر استعمال القضيب المضاد للصاعقة كلما قل إشعال الشموع وترتيل الصلوات. ولهذا كانت الكنيسة، التي رأت زوال نفوذها، غير راضية عن تقدم العلوم وزوال سرعة التصديق الساذج.
ولا يقل التعارض أيضا فيما يتعلق بظواهر الحياة الاجتماعية. فلقد خلَّف لنا رابليه وصفاً رائعاً لهذين الموقفين، في الفصل الذي عقده حول الحرب البكرو كولية (La guerre Picrocholine) إذ كان معظم الرهبان يغلقون على أنفسهم باب الكنيسة إذ ما هاجم بكرو كول picrocole الدير لنهبه متضرعين إلى الله أن يغفر له. ولم يشذ عن ذلك سوى الراهب حناJean Des Entommeunes الذي كان يتسلح بعصا غليظة صلبة يضرب بها ضربات قوية يفر على صوتها أصحاب بكرو كول بعد اجتياحهم لبساتين الدير. وهذا دليل على أن الهجوم أفضل من الصلاة للتخلص من المعتدي.
ولهذا شارك عدد من الكاثوليك، أثناء المقاومة الوطنية للمعتدي النازي في مختلف صور النضال ضد المحتل. ويلاحظ عادة أن أصحاب الفلسفات المثالية يتصرفون في الحياة تصرف الماديين.ويوضح لنا هذا أخطار النزعة المثالية العلمية، ذلك لأن نزعة الرهبان، كما صورهم رابلية، تؤدي في الحياة العملية إلى ترك الحقل بين يدي المعتدي. وكذلك كانت نزعة السلميين المثالية، الذين كانوا يأبون العمل ضد الحرب ويتظاهرون بإيمانهم في "حسن نية" الاستعماريين عامة، أمثال هتلر خاصة، أقوال كانت نزعة هؤلاء تساعد النازيين وتؤكد القول المشين: "العبودية أفضل من الموت".
وكذلك تبعد اليوم النظرية المثالية، القائلة بأن الحرب مقدرة وأنه يجب الرضوخ لها كعقاب الهي عن خطايا الأنانية، عددا كبيراً من الكاثوليك عن ساحة النضال من أجل السلام.
ولما كانت النزعة المثالية تؤدي، كما رأينا، لمواقف عملية تساعد أنصار الحرب والطبقات المستغِلة عامة (حسب الفكرة المثالية القديمة القائلة بعدم مقاومة الشرير) فأننا ندرك بسهولة كيف أن الطبقات المستغِلة قد اتخذت، عبر التاريخ، جميع الوسائل لتشجيع النزعة المثالية بين الجماهير، والعمل على تنميتها والدفاع عنها. ولا نزال نذكر كيف هرع حفار القبور بول رينو إلى كنيسة نوتردام يجأر بالدعاء لحماية فرنسا.
ولهذا يهم الطبقات المستغِلة، للمحافظة على الأوضاع الراهنة التي تستفيد منها، تعليم الناس بأن هذه الأوضاع تجسد "ارادة سامية" أنها تمثل "العقل الكلي" الخ.. ولهذا كان من مصلحتهم نشر النزعة المثالية التي تلقن الجماهير الخضوع والاستسلام.
نرى إذن الأهمية الكبرى العملية لإدراك النظريات المثالية ودراسة النزعة المادية الفلسفية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق