30
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الأول : دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس الخامس : ميزة الجدلية الرابعة نضال الأضداد (1)
3 – ميزات التناقض
أ) التناقض داخلي
رأينا أن الواقع هو حركة، غير أن الحركة هي نتيجة لتناقض ونضال بين الاضداد. هذا التناقض وهذا النضال هما داخليان. أي أنهما ليسا خارجين على الحركة بل هما جوهر هذه الحركة.
فهل هذا القول تأكيد اعتباطي؟ كلا. لأن القليل من التفكير يطلعنا على أنه لولا التناقض في العالم لما تغير العالم فلو أن الذرة لم تكن الا بذرة لظلت بذرة دائما. غير أن البذرة تملك القوة على التحول لأنها تصير فيما بعد شجرة. وهكذا تخرج الشجرة من البذرة بعد أن تختفي هذه البذرة. كذلك شأن كل واقع، وإذا كان الواقع يتغير فلانه في جوهره ذاته وشيئا اخر غير هذه الذات. فلماذا تسير الحياة، بعد أن أعطت ورودها وثمارها، نحو الموت؟ تتحول الحياة إلى موت لأن الحياة تحمل في أحشائها تناقضا داخليا، ولأن الحياة نضال يومي ضد الموت (تموت في كل لحظة خلايا بينما تحل محلها خلايا أخرى حتى يتغلب الموت عليها). يعارض الميتافيزيقي الحياة بالموت على أنهما مطلقان دون أن يرى الوحدة التي تجمع بينهما وهي وحدة القوى المتناقضة. ذلك لأن العالم الخالي من كل تناقض انما هو عالم مصيره إلى أن يعيد نفسه دون أن يعرف التجديد. وهكذا يكون التناقض داخل كل تغير.
سبب كل نمو أساسي للأشياء انما لا يكون خارج هذه الأشياء بل داخلها، في طبيعة الأشياء المتناقضة، فلكل شيء ولكل ظاهرة تناقضاتها الداخلية الكائنة فيها. وهذه التناقضات هي التي تولد حركة الأشياء ونموها، وهكذا تكون التناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي الأسباب الرئيسية لنموها .
ولقد قال لينين "النمو هو نضال الاضداد "
أو ليس هذا الرجل الذي يدرس هو جاهل ومحتاج للمعرفة في نفس الوقت؟ فهو يمثل في درسه النضال بين هاتين القوتين المتناقضتين. ذلك هو جوهر الإنسان الذي يدرس.
واذ ما عدنا إلى العملية التي عرضناها في الدرس السابق وهي تحول الماء إلى ثلج أو إلى بخار ماء لرأينا أنه يمكن تفسير مثل هذا التحول بوجود تناقض داخلي: تناقض بين قوى الانسجام بين جزيئات الماء من جهة، وبين حركة كل جزيء الخاصة به من جهة ثانية (وهي طاقة تدفع الجزيئات إلى التفرق)؛ أي التناقض بين قوى الانسجام والتفريق. ولا شك أن هذا النضال لا يبدو إذا نظرنا إلى الماء السائل بين درجتي صفر ومئة بل يبدو كل شيء ساكنا. وكل ما يبدو هو سكون حالة السائل. غير أن المظهر الخارجي يخفي الحقيقة والجوهر أي النضال بين قوى الانسجام وقوى التفريق. وهذا التناقض الداخلي هو المحتوي الحقيقي لحالة السائل. كما أن التناقض يفسر لنا تحول الماء المفاجيء إلى ماء جامد أو إلى بخار ماء. ولا يمكن الانتقال الكيفي إلى حالة جديدة الا بانتصار احدى هاتين القوتين على الاخرى. فتنتصر قوة التفريق في حالة تحول السائل إلى بخار، ولا يقضي هذا الانتصار على القوى المعارضة بل يغير من صفتها. فتصبح، في حالة التجمد، حركة الجزيئات الجانب السلبي (أو الثانوي)؛ وفي حالة الغاز، تصبح النزعة إلى الأنسجام الجانب السلبي (أو الثانوي).
فالماء، مهما كانت حالته الحالية، هو نضال بين قوى متناقضة وهي قوى داخلية، وبهذا تفسر تحولات الماء.
هل يعني هذا إن الظروف الخارجية المحيطة لا تقوم بأي دور؟ كلا. فلقد دلتنا دراسة القانون الأول للجدلية (كل شيء مرتبط بالأخر) على أنه لا يجب أن نعزل الواقع عن ظروفه المحيطة به. ففي حالة الماء، هناك شرط خارجي ضروري لتحويل الحالة وهو هبوط الحرارة أو ارتفاعها إذ أن ارتفاع الحرارة يجعل من الممكن ازدياد طاقة الجزيئات من الحركة أي ازدياد سرعتها. بينما يؤثر انخفاض الحرارة تأثيرا عكسيا.
ولكن يجب أن لا ننسى أنه لو لم يكن هناك تناقضات داخلية في داخل الشيء (في الماء مثلا)، كما رأينا ذلك سابقا، فأن الظروف الخارجية تفقد تأثيرها. ولهذا تعتبر الجدلية اكتشاف التناقضات الداخلية الكامنة في العملية التي درسناها، التي تفسر لنا نوعية هذه العملية، شيئا أساسيا.
فالتناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة مع الأشياء أو الظواهر الأخرى وتأثيرها عليها انما هي اسباب ثانوية .
وهذا ما لا يرضاه الذهن الميتافيزيقي، فهو مجبر على تفسير جميع التغييرات بواسطة تدخلات خارجية، لأنه يجهل التناقضات الداخلية التي تكون الواقع وتدفع إلى التغير الكيفي.
وذلك أما بواسطة "أسباب" آلهية (الله "خلق" الحياة والفكر والممالك) أو بواسطة أسباب اصطناعية: فهناك رجال مفضلون يملكون قدرة عجيبة تمكنهم من تغيير الأشياء؛ وهؤلاء هم "الدعاة" الذين "يصنعون" الثورة، و "يغرسون بذورها". الخ.. وهكذا يرجع بعض المفكرين الرجعيين ثورة 1789 إلى التأثير السيء لبعض الرعاة الأشرار. وكذلك شأن الثورة الاشتراكية التي حدثت في تشرين الأول سنة 1917؛ بينما تدلل الجدلية ، على العكس، بصورة علمية، أن الثورة، كحل للمشاكل التي تعترض سبيل النمو الاجتماعي لا بد منها إذا كان هناك تناقض داخلي يكون هذا المجتمع؛ وهو التناقض بين الطبقات المتنازعة. وما الثورة الا نتيجة هذا التناقض الذي يمر بعدة مراحل؛ ولهذا ليست الثورة من صنع الله أو الشيطان.
ويجب علينا أن لا ننسى مهمة كل من التناقضات الداخلية كأسباب أساسية ومهمة الظروف الخارجية كأسباب ثانوية. لأنها تفسر لنا أن "الثورة لا تورَّد" إذ لا يمكن أن يكون التحول الكيفي نتيجة مباشرة لتدخل خارجي. ولهذا غيَّر وجود الاتحاد السوفياتي وتقدمه الظروف العامة لنضال البروليتاريا في البلاد الرأسمالية، ولكن لا يمكن، لوجود الاتحاد السوفياتي أو تقدمه، أن يولد الاشتراكية في البلاد الأخرى.
لأن ازدياد نضال الطبقات الخاص بكل بلد رأسمالي وازدياد التناقضات الداخلية التي يمتاز بها كل بلد رأسمالي يمكن أن يؤديا إلى انقلابات ثورية في هذه البلاد. ولهذا كان ستالين يردد غالبا، قوله "سوف يقوم كل بلد، لو أراد، بثورته، ولن تقوم الثورة إذا لم يردها". وكذلك الأمر في لعب الطفل إذ لن تجدي جميع الوسائل لحمله على المشي إذا لم يسمح له نموه الداخلي العضوي بالمشي.
وهكذا نرى أن ميزة التناقض الداخلية التي يلح عليها ستالين في سرده للميزة الرابعة للجدلية لها مغزى عملي كبير.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق