إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 27 مارس 2014

2 المجد المنيف للقدس الشريف الشيخ عبد الله نجيب سالم أما بعد:



2


المجد المنيف للقدس الشريف

الشيخ عبد الله نجيب سالم

أما بعد:


فإن مدينة القدس من أقدم وأقدس المدن الشرقية، بل هي من عرائسها المَجْلِيّة ودررها الياقوتية، خطب ودها على مدى حقب التاريخ القديم كافة الملوك العظام، والسلاطين الكبار، والقواد الطامحون، وتفيأ ظلال جدرانها واستنشق عبير هوائها وتمتع ببهي منظر دوحها وبساتينها الأنبياءُ المخلصون، والعلماءُ المبدعون والصلحاءُ المتبتلون، وحاول هؤلاء وأولئك جميعاً التودد إليها واكتساب بركتها وترك آثار شاهدة فيها، وبناء معابد ومساجد ومصليات في جنباتها، حتى غدت مخزن الذكريات التاريخية لمختلف الحقب، وأصبحت الشاهد الناطق بمخلفات الملوك والدول والشعوب.

بل إن هذه المدينة العروس لم تسلم من غضبة الجبابرة الطغاة، ولا نقمة الجيوش الجرارة، ولا حقد العداة المتربصين. إذ لم تَحْنِ هامتها أمامهم، ولم تبذل شرفها في عتباتهم... فدمرت مرات ومرات، واستبيحت كرات بعد كرات، وذاقت الغصص ونفثت الزفرات.

إنها القدس، أو بيت المقدس، أو إيلياء، أو مدينة داود، أو يبوس، أو أورشليم.... مدينة لم تغب عن ذكريات عصر من العصور، أو حقبة من الحقب، منذ القديم الغابر إلى الحديث المعاصر... اقترن اسمها لدى البعض بآدم من حيث أقدمية بناء مسجدها المقدس، ثم تردد ذكرها مع نبأ إبراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم جميعاً أفضل الصلوات والتسليم.

ذكر اسمها أو أشير إليها في الكتب السماوية الثلاث الرئيسية: التوراة والإنجيل والقرآن، وكانت محور الاهتمام ومدار الأحداث في عهود العرب الأقدمين واليهود الغابرين والفرس والروم المتصارعين، والمسلمين الفاتحين والصليبيين الحاقدين، والتتار الغازين والإنجليز المستعمرين ثم الإسرائيليين الدمويين....

مدينة كان لها مع إشراقة كل شمس سطر خالد في التاريخ: إما لنبي مرسل، أو مَلِك محنك، أو حواري داعٍ، أو صحابي جليل، أو عالم مفكر، أو متعبد منقطع، أو شاعر مرهف، أو فنان مبدع!!..

وهذا المجد التليد لمدينة القدس من بعض أسباب تحريك عزمي، وتوكيد القصد لدي، في الاهتمام والتتبع، ثم تجميع المادة العلمية التاريخية، التي تتعلق بهذه المدينة العظيمة الخالدة، ثم نظم عقدها، ونثر أزاهيرها، وترتيب حقائقها، وتجلية غوامضها، وبسط مزاياها، وضم ثناياها...

لكن المجد الغابر للقدس لم يكن السبب الوحيد والمحرك الفريد، بل لو لم يكن ذلك كله موجوداً لكان لي في الأحداث الحية والوقائع الحالية والظروف الواقعية والتخوفات المستقبلية على المدينة العظيمة (القدس) والإقليم المبارك (فلسطين) والمنطقة المجاورة (الدول العربيـة) والعالم المهتم (العالم الإسلامي) ـ وأنا جزء من ذلك كله ـ أكبرُ دافع ومحرك، ومهيج وسائق، وسبب ومبرر للكتابة التي تُلْفِتُ الأنظار إلى الأخطار، وتكشف الدقائق من الحقائق، وتميط اللثام عما استتر من نوايا العدو والآثام، فيما يتعلق بالقدس الشريف ومسجدها المبارك وشعبها المسلم...

إننا جميعاً ـ مسلمين وعرباً ـ مستهدفون، أفراداً وجماعات، وحكومات ومؤسسات، وأنظمة وشركات، للهجمة اليهودية الصهيونية المعاصرة، التي دعمتها وقوّى ساعدها وشد أزرها مكر صليبي مسيحي قديم وحديث، لم يكن في يوم من الأيام متخفياً ولا مستتراً، ولا مجاملاً ولا متعذراً... فالمسلمون اليوم لا يواجهون اليهود وما في نفوسهم من حقد قديم وثارات تاريخية ماضية فقط، بل إنهم بكل صراحة وعلانية كذلك في مواجهة النصارى الذين قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، فكان من نصارى عصرنا لليهود الغازين لبلادنا ـ في خضم هذا الصراع ـ الدعم المالي والتأييد السياسي والمدد العسكري، وكانت منهم البيانات والتصريحات المساندة، والتهديدات والإرعادات المتوعدة، والأعتدة والأسلحة المقاتلة، والتعهدات المتكررة المطمئنة إلى مصير واحد للطرفين: اليهود والنصارى، كيف لا، والنصارى المعاصرون لم ينسوا الحروب الصليبية التي حشدوا فيها كل طاقاتهم، ودمروا فيها كل ما نالته أيديهم، وخرجوا منها خائبين يلعقون جراحهم، ويجرون أذيال خيبتهم.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق