24
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الأول : دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس الرابع : ميزة الجدلية الثالثة
التحول النوعي
4 – في المجتمع
رأينا في الدرس السابق أن المجتمع متحرك كالطبيعة. وتقوم هذه الحركة على الانتقال من التحولات الكمية إلى التحولات الكيفية.
ولقد فهم لينين ذلك حينما كان لا يزال طالبا سنة 1887 في جامعة كازان ـ وكان يقوم بمقاومة القيصرية ـ فأجاب على مفوض الشرطة الذي قال له: "أنكم تنطحون برؤوسكم حائطا لا يتزحزح" ـ حائطا؟ أجل، ولكنه حائط نخره السوس، وتكفيه دفعة بسيطة حتى ينهار". إذ كانت القيصرية، في الواقع، كالحائط الذي أفسدته الأمطار سنة بعد أخرى، ولقد أدرك لينين أن التحول الكيفي (وهو انهيار القيصرية) قريب.
وهكذا يسبق التحولات الكيفية في المجتمع تحولات كمية بطيئة.
فالثورة (تحول كيفي)، إذن، هي نتيجة تاريخية ضرورية لتطور بطيء (تحول كمي). ولقد حدد ستالين بوضوح الجانب الكمي والجانب الكيفي للحركة الاجتماعية حيث يقول :
"يعلمنا المنهج الجدلي أن الحركة تتخذ صورتين: صورة تطورية وصورة ثورية، وتكون الحركة تطورية حين تستمر العناصر التقدمية في عملها اليومي بصورة تلقائية فتحدث في النظام القديم بعض التحولات الكمية الطفيفة. كما تكون الحركة ثورية حين تتحد هذه العناصر تحت لواء فكرة واحدة فتنطلق ضد العدو لتقتلع النظام القديم من جذوره وتحدث في الحياة تحولات كيفية كما تقيم نظاما جديدا محل النظام القديم.
وهكذا يمهد التطور للثورة بينما تقوم الثورة باتمام هذا التطور كما تساعده في عمله المقبل .
ويستشهد ستالين على هذا التحليل بحوادث 1905. فلقد "قامت طبقة العمال (البروليتاريا) في كانون الأول سنة 1905 بمهاجمة مستودعات الأسلحة ثم سارت للقضاء على الرجعية". ولقد سبق هذه الحركة الثورية تطور طويل تم خلال السنوات السابقة "حين كانت البروليتاريا في تطورها العلمي، تقنع بالاضرابات المتفرقة وايجاد نقابات للعمال صغيرة".
وكذلك سبق الثورة الفرنسية عام 1789 نضال طبقي طويل، فإذا بالتحولات الكيفية الهائلة تحدث في فرنسا خلال بضع سنوات (1789–1790) ولم تكن هذه التحولات ممكنة لولا التحولات الكمية التي تراكمت عبر السنين، أي لولا الهجمات العديدة الجزئية التي شنتها البرجوازية ضد الإقطاعية حتى الهجوم النهائي واستيلاء الرأسماليين على الحكم.
أما فيما يتعلق بالثورة الاشتراكية في تشرين الأول سنة 1917 فأن "تاريخ الحزب الشيوعي (البولشفيكي) في الاتحاد السوفياتي" يطلعنا على الطريقة التي تم بها هذا التحول الكيفي الهائل، وهو أكبر تحول في التاريخ، بواسطة سلسلة من التحولات الكمية، فإذا ما أردنا الاقتصار على الفترة بين 1914 ـ1917 فأن الفصلين 6 و 7 يدلاننا على تضخم الحركة الشعبية في هذه السنوات الخطيرة حتى استيلاء السوفيات على الحكم.
ويجب أن نلاحظ هنا (كما فعلنا في نهاية المسألة الثالثة من هذا الدرس) أن الانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى الحالة الجديدة يكون تقدما. فالحالة الرأسمالية هي أفضل من الحالة الإقطاعية، والحالة الاشتراكية أفضل من الحالة الرأسمالية، إذ أن الثورة تقوم بالانتقال من السفلي إلى العلوي. لماذا؟ لأنها تقوم بالتوفيق بين النظام الاقتصادي للمجتمع وبين متطلبات نمو قوى الانتاج.
من المهم أن لا نفصل بين الجانب الكيفي والجانب الكمي في الحركة الاجتماعية بل يجب النظر إليهما في ترابطهما الضروري. اما النظر إلى جانب دون الآخر فأن ذلك يؤدي إلى ارتكاب خطأ كبير.
وهكذا يؤدي الاقتصار على رؤية جانب التطور في النزعة الإصلاحية (reformisme) التي تعتقد بأنه يمكن تحقيق الإصلاحات الاجتماعية بدون الثورة. ونزعة الاصلاح هذه هي نظرية برجوازية لتجريد طبقة العمال من سلاحها، فيخيل إليها أن الرأسمالية يمكن أن تزول بدون نضال. وهكذا تكون النزعة الاصلاحية ضد الثورة لأنها؛ تدعو إلى ترقيع النظام المنهار للتفريق بين طبقة العمال وإضعافها والإبقاء على سلطة البرجوازية ضد إزالة هذه السلطة بواسطة الثورة .
ويقوم على نشر النزعة الإصلاحية الزعماء الاشتراكيون أمثال جول موش وبلوم الذي صرح بأنه "حامي الرأسمالية الأمين"، وكذلك موقف كوتسكي الذي يعتقد بأن على الرأسمالية الامبرطورية أن تتحول من نفسها إلى اشتراكية. ويعتمد هؤلاء المشوهون للماركسية على ما يدعونه "بالقانون العام للتطور المنسجم" الذي يضرب بالجدلية عرض الحائط. وبهذا يبررون خيانتهم لمصالح طبقة العمال. ويقوم برنامجهم؛ على محاربة فكرة الثورة أو "الأمل" فيها، لأن هذا الأمل لا يبدو واضحا في نظر الإصلاحي، لأنه لا يدرك مدى التناقضات الاقتصادية والسياسية الحالية، وكذلك على محاربة كل نشاط يقوم على تنظيم القوى وتهيئة الأفكار من أجل الثورة .
وهناك نظرية أخرى مناقضة للجدلية وللثورة في نفس الوقت وهي النزعة المغامرة (aventurisme) التي يتصف بها الاستبداديون والبلنكيون . وتقوم هذه النزعة على إنكار ضرورة إعداد التحول الكيفي (الثورة) بواسطة التطور الكمي. وهي نظرية ميتافيزيقية كالسابقة لأنها لا ترى سوى جانب واحد من جوانب الحركة الاجتماعية.
وذلك لأن إرادة الثورة دون إرادة ظروفها يجعل هذه الثورة مستحيلة. وهكذا تتشابه كل من النزعة المغامرة والنزعة الإصلاحية في أصولهما.
غير أن أنصار النزعة المغامرة يوهمون الناس بحديثهم الدائم في كل مناسبة عن العمل ليحولوا بذلك دون العمل الحقيقي. فهم يحتقرون، في الحقيقة، الأعمال المتواضعة والتحولات الكمية البسيطة الضرورية للتحولات الخطيرة.
ينتقد موريس توريز، في الجزء الرابع من مؤلفاته (ص 128)، عددا من السعاة الشيوعيين الذين ناهضوا عام 1923 مذكرة للمطالبة بحقوقهم وجهها زملاؤهم في البرق والبريد إلى النواب. فكانوا يقولون لزملائهم: "انضموا أولا إلى النقابة الموحدة (C. G .T. U) والا ذهبت مذكرتكم سدى". ويفسر موريس توريز ذلك بقوله:
"لا يجب التقليل من شأن المذكرة ولو عارضناها بحملة عن "العمل الشعبي" ذلك لأن المذكرة صورة، لا شك بدائية، من صور العمل الشعبي. فهي وسيلة للضغط على الموجهة إليه كما أنها عامل تجمع وتنظيم لموقعيها.
وهي، في الحالة التي نحن بصددها، صورة منظمة لاحتجاج المستخدمين ضد دولتهم المستخدمة وضد النواب الذين يملكون قدرا من سلطة الدولة.
كما يمكن للعريضة أن يكون لها تأثير حقيقي على السلطات العامة لو أن العناصر الثورية، بدلا من أن تحاربها، شاركت فيها، فشرحت لرفاقها في العمل أن العريضة ليست سوى وسيلة من وسائل النضال العديدة، وأن هناك وسائل تكملها وتعضدها كالقيام بمظاهرة في الوقت المناسب في الناحية أو المنطقة أو البلاد جميعا فأنها تجعل للتوقيعات وزنا كبيرا.
ويلاحظ موريس توريز أن العريضة،تساعد على تحقيق الجبهة الموحدة. وذلك عن طريق ما ينشأ من نقاش بين رفاق العمل عند كل توقيع. فيشرح كل واحد رأيه ويعبر عن ميوله. ومع ذلك يعتبر كل واحد أن التعبير الواعي عن أكثرية سعاة البريد الساحقة، لا بل عن السعاة جميعا، سوف يكون له تأثير قوي. ولا شك أن النقابي الموحد قد عبر عن رأيه حول ما يجب عمله عند توقيعه أو حمله الآخرين على التوقيع. فلربما اقترح، مثلا، انتخاب لجان لتقديم العرائض. فلقد وقع على تطبيق القواعد في المستقبل، كما تحدث عن إمكانية القيام بإضراب! فاستمع إليه زميله، أو أعترض عليه، أو طلب إليه المزيد من الايضاح. يكون كل هذا خطوة أولى للتقريب والعمل في سبيل عمل مشترك يؤتي ثماره. فلا يجب إذن الثرثرة بصدد "العمل الشعبي" بل تعلم إثارة أدنى صور الاجتماع الشعبي وتنظيمها ومساعدتها، كي نصل بمساعدة البروليتاريا إلى أسمى صور النضال الطبقي .
لأن العمال يتثقفون خلال هذه الألوان من النضال الجزئي ويكتسبون تجربة لا تقدر. إذ أن العمل اليومي، في سبيل المطالب البسيطة المشتركة، يمهد الطريق لعمل أشد اتساعا وأعظم أهمية، والشرط الأول لإقامة الجبهة الموحدة هو تكوين لجان يتناقش فيها العمال ويقررون متآخين الأهداف والوسائل لتحقيقها. أولا كيف يمكن الوصول لتحولات أساسية إذا لم يتم هذا العمل بصبر وأناة؟ وهكذا استطاع العمال بواسطة جمع ملايين التواقيع حمل رئيس الجمهورية على التوقيع للإفراج عن هنري مارتين .
وهكذا يدلل القانون الثالث للجدلية على أهميته العملية وخصبه، كما يوضح لنا الأحوال الحاضرة فيجعلنا نثق وثوقا علميا بأن تحقيق الجبهة المتحدة واجتماع الأمة الفرنسية حول طبقة العمال سيكونان نتيجة ضرورية للتحولات الكمية التي تتم خلال صنوف النضال اليومي، بفضل الجهود الصامتة التي يبذلها العمال الواعون في المصانع والمكاتب. وكان اتساع اضرابات آب سنة 1953 نتيجة للجهود المحلية المتعددة التي بذلت في كل مكان خلال الشهور السابقة.
ولقد عرض مسؤول نقابي، عند اشتداد أضرابات آب، كيف أن بعض العمال، الذين كانوا لعشرة أيام خلت بعيدين عن حركة الإضراب، قد أصبحوا الآن في مقدمة المضربين ثم يردف قائلا: "لا يضيع أي شيء". وهذا حق. إذ لا يضيع أي جهد يبذل في اتجاه التاريخ سواء في الشرح أو التوقيع. ذلك لأن تراكم التحولات الكمية يمهد السبيل للتحولات الكيفية.
ولهذا كان من الخطأ الاعتقاد بأن سياسة السياسيين البرجوازيين الرجعية ستستمر طويلا لأن أغلبية المجلس "إلى جانبهم"، كما أنه من الخطأ القول بأن فرنسا "بلاد قد ولت" وكتب عليها أن تعيش تحت الحماية الأميركية. فلقد أخذت القوى، التي ستقضي على سياسة الخزي والعار، تتجمع من كل جانب. ولسوف تعكس هذه القوى أيضاً مجرى الحوادث وتعيد فرنسا إلى عظمتها الحقيقية. ولسوف تكون للشعب الكلمة الاخيرة. ولذلك لم يكن القول بإمكان سياسة أخرى في فرنسا غير السياسة البرجوازية الرجعية المناهضة للمصالح الوطنية ضربا من الاسترسال وراء الأوهام بل هو حقيقة علمية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق