إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 4 يونيو 2016

58 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الخامس ذكر قتل ليلى بن النُّعمان الديلميّ


58

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الخامس

ذكر قتل ليلى بن النُّعمان الديلميّ

في هذه السنة قُتل ليلى بن النُّعمان الديلميُّ وكان ليلى هذا أحد قوّاد أولاد الأُطروش العلويّ وكان إليه ولاية جُرجان وكان قد استعمله عليها الحسن ابن القاسم الداعي سنة ثمان وثلاثمائة وكان أولاد الأُطروش يكاتبونه‏:‏ المؤيِّد لدين الله المنتصر لآل رسول الله ـ صلى الله علية وسلم ـ ليلى بن النُّعمان وكان كريمًا بذّالًا للأموال شجاعًا مقدامًا على الأهوال‏.‏

وسار من جُرجان إلى الدَّامغان فحاربه أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة وعاد إلى جُرجان فابتنى أهل الدَّامغان حصنًا يَحميهم وسار قراتكين إليه بجُرجان فحاربه على نحو عشرة فراسخ من جُرجان فانهزم قراتكين واستأمن غلامه بارس إلى ليلى ومعه ألف فارس فأكرمه ليلى وزوّجه أخته واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت أحمد بن سهل فأكرمه ليلى‏.‏

ثمّ إنّ الأجناد كثروا على ليلى بن النعمان فضاقت الأموال عليه فسار نحو نَيسابور بأمر الحسن بن القاسم الداعي وتحريض أبي القاسم بن حفص وكان بها قراتكين فوردها في ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثمائة وأقام بها الخطبة للداعي وأنفذ السعيد نصر من بخارى إليه حموية بن عليّ فالتقوا بطوس واقتتلوا فانهزم أكثر أصحاب حموية بن عليّ حتّى بلغوا مَرْو وثبت حموية ومحمّد بن عبدالله البلغميُّ وأبو جعفر صعلوك وخوارزم شاه وسيمجور الدواتيُّ فاقتتلوا فانهزم بعض أصحاب ليلى ومضى ليلى منهزمًا فدخل ليلى سكّة لم يكن له فيها مخرج ولحقه بغرا فيها فلم يقدر ليلى على الهرب فنزل وتوارى في دار فقبض عليه بغرا وأنفذ إلى حمويه فأعلمه بذلك فأنفذ من قطع رأس ليلى ونصبه على رمح فلمّا رآه أصحابه طلبوا الأمان فأُمّنُوا‏.‏

ثمّ قال حموية للجند‏:‏ قد مكّنكم الله من شياطين الجيل والدَّيلم فأبيدوهم واستريحوا منهم أبد الدهر فلم يفعلوا وحامى كلّ قائد جماعة فخرج منهم من خرج بعد ذلك وكان قتل ليلى في ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثمائة وحُمل رأسه إلى بغداد وبقي بارس غلام قراتكين بجرجان‏.‏

وقيل إنّ حموية لمّا سار إلى قتال ليلى قيل له‏:‏ أنّ ليلى يستبطئك في قصده فقال‏:‏ إنّي البس أحدَ خُفَّيّ للحرب العامَ والآخر في العام المقبل فبلغ قوله ليلى فقال‏:‏ لكنّي ألبس أحد خُفّيّ للحرب قاعدًا والثاني قائمًا وراكبًا فلمّا قُتل قال حموية‏:‏ هكذا مَن تعجّل إلى الحرب‏.‏

في هذه السنة قُتل الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيُّ وأُحرق وكان ابتداء حاله أنّه كان يُظهر الزهد والتصوّف ويُظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب‏:‏ ‏ «‏قل هو الله أحد‏» ‏ ويسمّيها دراهم القدرة ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في بيوتهم ويتكلّم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول وبالجملة فإنّ الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح عليه السلام فَمِنْ قائل أنّه حلّ فيه جزء ألهيّ ويدّعي فيه الربوبيّة ومِن قائل أنّه وليّ الله تعالى وإنّ الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين ومِن قائل إنّه مشعبذ وممَخرق وساحر كذّاب ومتكهّن والجنّ تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها‏.‏

وكان قدم من خُراسان إلى العراق وسار إلى مكّة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظلّ تحت سقف شتاءً ولا صيفًا وكان يصوم الدهر فإذا جاء العشاء أحضر له القوّام كوز ماء وقرصًا فيشربه وبعض من القرص ثلاث عضّات من جوانبه فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه ولا يأكل شيئًا آخر إلى الغد آخر النهار‏.‏

وكان شيخ الصوفيّة يومئذ بمكّة عبدالله المغربيّ فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاّج فلم يجده في الحجر وقيل له‏:‏ قد صعد إلى جبل أبي قُبَيس فصعد إليه فرآه على صخرة حافيًا

مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلى الأرض فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلّمه فقال‏:‏ هذا يتصبّر ويتقوّى على قضاء الله سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته وعاد الحسين إلى بغداد‏.‏

وأمّا سبب قتله فإنّه نُقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد ابن العبّاس أنّه أحيا جماعة وأنّه يحيي الموتى وأنّ الجنّ يخدمونه وأنّهم يُحضرون عنده ما يشتهي وأنّه قد موّه على جماعة من حواشي الخليفة وأنّ نصرًا الحاجب قد مال إليه وغيره فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلّم إليه الحلاّج وأصحابه فدفع عنه نصر الحاجب فألحّ الوزير فأمر المقتدر بتسليمه إليه فأخذه وأُخذ معه إنسان يُعرف بالشمريّ وغيره قيل إنّهم يعتقدون أنّه إلهٌ فقرّرهم فاعترفوا أنّهم قد صحّ عندهم أنّه إلهٌ وأنّه يحيي الموتى وقابلوا الحلاّج على ذلك فأنكره وقال‏:‏ أعوذ بالله أن ادّعي الربوبيّة أبو النّبّوة وإنّما أنا رجل أعبد الله عزّ وجلّ‏!‏ فأحضر حامد القاضي أبا عمرو والقاضي أبا جعفر بن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود فاستفتاهم فقالوا‏:‏ لا يفتى في أمره بشيء إلاّ أن يصحّ عندنا ما يوجب قتله ولا يجوز قبول قول مَن يدّعي عليه ما ادعاه إلا ببيّنة إقرار‏.‏

وكان حامد يخرج الحلاّج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة‏.‏

وطال الأمر على ذلك وحامد الوزير مجدّ في أمره وجرى له معه قصص يطول شرحها وفي آخرها أنّ الوزير رأى له كتابًا حكى فيه أنّ الإنسان إذا أراد الحجّ ولم يمكنه أفرد من داره بيتًا لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يدخله أحد فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله وفعل ما يفعله الحاجّ بمكّة ثمّ يجمع ثلاثين يتيمًا ويعمل أجود طَعامٍ يمكنه ويُطعمُهُم في ذلك البيت ويَخدُمهم بنفسه فإذا فرغوا كساهم وأعطى كلّ واحد منهم سبعة دراهم فإذا فعل ذلك كان كمَنْ حجّ‏.‏

فلمّا قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاّج‏:‏ من أين لك هذا قال‏:‏ من كتاب الإخلاص للحسن البصريّ قال له القاضي‏:‏ كذبتَ يا حلالَ الدم‏!‏ قد سمعناه بمكّة وليس فيه هذا فلمّا قال له‏:‏ يا حَلالَ الدمِ وسمعها الوزير قال له‏:‏ اكتب بهذا فدافعه أبو عمرو فألزمه حامد فكتب بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس‏.‏

ولّما سمع الحلاّج ذلك قال‏:‏ ما يحلّ لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السُّنّة ولي فيها كتب موجودة فالله الله في دمي‏!‏ وتفرّق الناس‏.‏

وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله وأرسل الفتاوى إليه فأذن في قتله فسلّمه الوزير إلى صاحب الشّرطة فضربه ألف سوط فما تأوّه ثمّ قطع يده ثم رجله ثم يده ثمّ رجله ثمّ قُتل وأُحرق بالنار فلمّا صار رمادًا أُلقي في دجلة ونصب الرأس ببغداد وأُرسل إلى خُراسان لأنّه كان له بها أصحاب فأقبل بعض أصحابه يقولون‏:‏ إنّه لم يُقتل وإنّما أُلقي شبه على دابّة وإنّه يجيء بعد أربعين يومًا وبعضهم يقول‏:‏ لقيتُه على حمار بطريق النَّهروان وإنّه قال لهم‏:‏ لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذي يظنّون أنّي ضُربت وقُتلتُ‏.‏


يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق