55
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثانى
ذكر فرض العطاء وعمل الديوان
وفي سنة خمس عشرة فرض عمر للمسلمين الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا على السابقة وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل ابن عمرو في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم فامتنعوا من أخذه وقالوا: لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا.
فقال: إني أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب.
قالوا: فنعم إذًا وأخذوا وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب وقيل: ماتا في طاعون عمواس.
ولما أراد عمر وضع الديوان قال له علي وعبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك.
قال: لا بل أبدأ بعم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم الأقرب فالأقرب ففرض للعباس وبدأ به ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر ومن ولي الأيام قبل القادسية كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين وفرض لأهل البلاء النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة.
فقيل له: لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا.
وقيل له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه.
فقال: من قربت داره بالزيادة لأنهم كانوا ردءًا للحتوف وشجىً للعدو قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقتين منهم والأنصار! فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد.
وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفًا ألفًا ثم فرض للروادف المثنى خمسمائة خمسمائة ثم للروادف الثليث بعدهم ثلاثمائة ثلاثمائة سوى كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم عربهم وعجمهم وفرض للروداف الربيع على مائتين وخمسين وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين وألحق أهل بدر أربعة من غير أهلها: الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان.
وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفًا وقيل: اثني عشر الفًا وأعطى نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشرة آلاف عشرة آلاف إلا من جرى عليها الملك.
فقال نسوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفضلنا عليهن في القسمة فسو بيننا ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياها فلم تأخذ.
وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة خمسمائة ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلاثمائة ثلاثمائة ونساء أهل القادسية مائتين مائتين ثم سوى بين النساء بعد ذلك وجعل الصبيان سواء على مائة مائة ثم جمع ستين مسكينًا وأطعمهم الخبز فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر.
وقال عمر قبل موته: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ألفًا يجعلها الرجل في أهله والفًا يزودها معه وألفًا يتجهز بها وألفًا يترفق بها.
فمات قبل أن يفعل.
وقال له قائل عند فرض العطاء: يا أمير المؤمنين لو شركت في بيوت الأموال عدة لكونٍ إن كان.
فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها وهي فتنة لمن بعدي بل أعد لهم ما أعد الله ورسوله طاعة لله ورسوله هما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم.
وقال عمر للمسلمين: إني كنت أمرًا تاجرًا يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم هذا فما ترون أنه يحل لي في هذا المال وعليٌّ ساكت.
فأكثر القوم فقال: ما تقول يا علي
فقال: ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك غيره.
فقال القوم: ما قال علي.
فأخذ قوته واشتدت حاجة عمر فاجتمع نفر من الصحابة منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير فقالوا: لو قلنا لعمر في زيادة نزيده إياها في رزقه.
فقال عثمان: هلموا فلنستبرىء ما عنده من وراء وراء فأتوا حفصة ابنته فأعلموها الحال واستكتموها أن لا تخبر بهم عمر.
فلقيت عمر في ذلك فغضب وقال: من هؤلاء لأسوءهم قالت: لا سبيل إلى علمهم.
قال: أنت بيني وبينهم ما أفضل ما اقتنى رضي الله عنه في بيتك الملبس قالت: ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد والجمع.
قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع قالت: حرفًا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا فجعلتها دسمة حلوة فأكل منها.
قال: وأي مبسط كان يبسط عندك كان أوطأ قالت: كساء ثخين كنا نربعه في الصيف فإن كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه.
قال: يا حفصة فأبلغيهم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالتزجية فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالتزجية وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقًا فمضى الأول وقد تزود فبلغ المنزل ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم اتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما ألحق بهما وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما.
لما فرغ سعد من أمر القادسية أقام بها بعد الفتح شهرين وكاتب عمر فيما يفعل فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى المدائن وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق وأن يجعل معهم جندًا كثيفًا وأن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم.
ففعل ذلك وسار من القادسية لأيام بقين من شوال وكل الناس مؤدٍ مذ نقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس من سلاح وكراع ومال.
فلما وصلت مقدمة المسلمين برس وعليهم عبد الله بن المعتم وزهرة بن حوية وشرحبيل ابن السمط لقيهم بها بصبهرا في جمع من الفرس فهزمه المسلمون ومن معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم النخيرخان ومهران الرازي والهرمزان وأشباههم وقد استعملوا عليهم الفيرزان وقدم بصبهرا منهزمًا من برس فوقع في النهر ومات من طعنة كان طعنه زهرة ولما هزم بصبهرا أقبل بسطام دهقان برس فصالح زهرة وعقد له الجسور وأخبره بمن اجتمع ببابل فأرسل زهرة إلى سعد يعرفه ذلك.
فقدم عليه سعد ببرس وسيره في المقدمة وأتبعه عبد الله وشرحبيل وهاشمًا المرقال واتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل وقد قالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق فاقتتلوا فهزمهم المسلمون فانطلقوا على وجهين فسار الهرمزان نحو الأهواز فأخذها فأكلها وخرج الفيرزان نحو نهاوند فأخذها بأكلها وبها كنوز كسرى وأكل الماهين وسار النخيرخان ومهران إلى المدائن وقطعا الجسر.
وأقام سعد ببابل أيامًا وبلغه أن النخيرجان قد خلف شهريار دهقانًا من دهاقين الباب بكوثى في جمع فقدم زهرة بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير ابن شهاب السعدي حتى عبرا الصراة فلحقا بأخريات القوم وفيهم فيومان والفرخان فقتل بكير الفرخان وقتل كثير فيومان بسوراء وجاء زهرة فجاز سوراء ونزل وجاء سعد وهاشم والناس ونزلوا عليه وتقدم زهرة نحو الفرس وكانوا قد نزلوا بين الدير وكوثى وقد استخلف النخيرخان ومهران على جنودهما شهريار دهقان الباب فنازلهم زهرة فبرزوا إلى قتاله وخرج شهريار يطلب المبارزة فأخرج زهرة إليه أبا نباتة نائل بن جعشم الأعرجي وكان من شجعان بني تميم وكلاهما وثيق الخلق.
فلما رأى شهريار نائلًا ألقى الرمح لعتنقه وألقى أبو نباتة رمحه ليعتنقه أيضًا وانتضيا الخنجر وأراد حل أزرار درعه فوقعت إصبعه في في نائل فكسر عظمها ورأى منه فتورًا فبادره وجلد به الأرض ثم قعد على صدره وأخذ خنجره وكشف درعه عن بطنه وطعن به بطنه وجنبه حتى مات وأخذ فرسه وسواريه وسلبه وانهزم أصحابه فذهبوا إلى البلاد وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد فقدم إليه نائلًا والبسه سلاح شهريار وسواريه وأركبه برذونه وغنمه الجميع فكان أول أعرجي سور بالعراق وقام بها سعد أيامًا وزار مجلس إبراهيم الخليل عليه السلام.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق