47
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثانى
ذكر يوم أغواث
ولما أصبح القوم وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلهم إلى العذيب فسلم الجرحى إلى النساء ليقمن عليهم وأما القتلى فدفنوا هنالك على مشرق وهو وادٍ بين العذيب وعين الشمس.
فلما نقل سعد القتلى والجرحى طلعت نواصي الخيل من الشام وكان فتح دمشق قبل القادسية بشهر فلما قدم كتاب عمر على أبي عبيدة بن الجراح بإرسال أهل العراق سيرهم وعليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي فتعجل القعقاع فقدم على الناس صبيحة هذا اليوم وهو يوم أغواث وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارًا وهم ألفٌ كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا عشرة فقدم أصحابه في عشرة فأتى الناس فسلم عليهم وبشرهم بالجنود وحرضهم على القتال وقال: اصنعوا كما أصنع وطلب البراز فقالوا فيه بقول أبي بكر: «لا يهزم جيش فيهم مثل هذا» .
فخرج إليه ذو الحاجب فعرفه القعقاع فنادى: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر! وتضاربا فقتله القعقاع وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط الناس وكأن لم يكن بالأمس مصيبة وفرحوا بقتل ذي الحاجب وانكسرت الأعاجم بذلك.
وطلب القعقاع البراز فخرج إليه الفيرزان والبنذوان فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أحد بيني تيم اللات فتبارزوا فقتل القعقاع الفيرزان وقتل الحارث البنذوان ونادى
القعقاع: يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس بها! فاقتتلوا حتى المساء فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئًا مما يعجبهم وأكثر المسلمون فيهم القتل ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل كانت وابيتها تكسرت بالأمس فاستأنفوا عملها فلم يفرغوا منها حتى كان الغد.
وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون وحمل بنو عم للقعقاع عشرةً عشرة على إبل قد ألبسوها وهي مجللة مبرقعة وأطاف بهم خيولهم تحميهم وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة ففعلوا بهم هذا اليوم وهو يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث فجعلت خيل الفرس تفر منها وركبتها خيول المسلمين.
فلما رأى الناس ذلك استنوا بهم فلقي الفرس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث.
وحمل رجل من تميم على رستم يريد قتله فقتل دونه.
وخرج رجل من فارس يبارز فبرز إليه الأعرف بن الأعلم العقيلي فقتله ثم برز إليه آخر فقتله وأحاطت به فوارس منهم فصرعوه وأخذوا سلاحه فغبر في وجوههم التراب حتى رجع إلى أصحابه.
وحمل القعقاع بن عمرو يومئذٍ ثلاثين حملة كلما طلعت قطعة حمل حملة وأصاب فيها وقتل فكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني.
وبارز الأعور بن قطبة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه وقاتلت الفرسان إلى انتصاف النهار.
فلما اعتدل النهار تزاحف الناس فاقتتلوا حتى انتصف الليل.
فكانت ليلة أرماث تدعى الهدأة وليلة أغواث تدعى السواد ولم يزل المسلمون يرون يوم أغواث الظفر وقتلوا فيه عامة أعلامهم وجالت فيه خيل القلب وثبت رجلهم فلولا أن خيلهم عادت أخذ رستم أخذًا.
وبات الناس على ما بات عليه القوم ليلة أرماث ولم يزل المسلمون ينتمون.
فلما سمع سعد ذلك قال لبعض من عنده: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء وإن سكتوا ولم ينتم الأخرون فلا توقظني فإنهم على السواء فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني فإن انتماءهم عن السوء.
ولما اشتد القتال وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده فنزل فأتى فقال لسلمى زوج سعد: هل لك أن تخلي عني وتعيريني البلقاء فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي.
فقال: كفى حزنًا أن تلتقي الخيل بالقنا ** وأترك مشدودًا علي وثاقيــا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ** مصاريع دوني قد تصم المناديا
وقد كنت ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ ** فقد تركوني واحدًا لا أخــا ليا
فرقت له سلمى وأطلقته وأعطته البلقاء فرس سعد فركبها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر ثم حمل على ميسرة الفرس ثم رجع خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم وكان يقصف الناس قصفًا منكرًان وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه فقال بعضهم: هو من أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وكان سعد يقول: لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء.
وقال بعض الناس: هذا الخضر.
وقال بعضهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك.
فلما انتصف الليل وتراجع المسلمون والفرس عن القتال أقبل أبو محجن فدخل القصر وأعاد رجليه في القيد وقال: لقد علمت ثقيفٌ غير فخرٍ بأنا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعًا سابغاتٍ وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا وفدهم في كل يومٍ فإن عموا فسل بهم عريفا وليلة قادسٍ لم يشعروا بي ولم أشعر بمخرجي الزحوفا فإن أحبس فذلكم بلائي وإن أترك أذيقهم الحتوفا فقالت له سلمى: في أي شيء حبسك فقال: والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ولكنني كنت صاحب شرابٍ في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فقلت:
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فلذلك حبسني.
فلما أصبحت أتت سعدًا فصالحته وكانت مغاضبة له وأخبرته بخبر أبي محجن فأطلقه فقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله.
قال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدًا! ذكر يوم عماس ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان من جريحٍ وميتٍ ومن المشركين عشرة آلاف فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء وكان النساء والصبيان يحفرون القبور وكان على الشهداء حاجب بن زيد.
وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا وكان ذلك مما قوى المسلمين وبات القعقاع تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الأمس وقال: إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائةً مائة فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدًا ففعلوا ولا يشعر به أحد.
وأصبح الناس على مواقفهم فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحاب القعقاع فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم فأخبر بما صنع القعقاع فعبى أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن هبيرة ابن عبد يغوث المعروف بقيس بن المكشوح المرادي ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون وقال: أول قتال المطاردة ثم المراماة ثم حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد.
وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم وأقبلت الرجالة مع الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجالة فرسان يحمونهم فلم تنفر الخيل منهم كما كانت بالأمس لأن الفيل إذا كان وحده كان أوحش وإذا أطافوا به كان آنس وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدًا العرب والعجم فيه سواء ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجر بالأصوات فيبعث إليهم أهل النجدات ممن عنده فلولا أن الله ألهم القعقاع ما فعل في اليومين وإلا كسر ذلك المسلمين.
وقاتل قيس بن المكشوح وكان قد قدم مع هاشم قتالًا شدديًا وحرض أصحابه وقال عمرو بن معدي كرب: إني حاملٌ على الفيل ومن حوله لفيل بإزائه فلا تدعوني أكثر من جزر جزور فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور يعني نفسه وأين لكم مثل أبي ثور! فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل أصحابه فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه وإن سيفه لفي يده يصارمهم وقد طعن فرسه فأخذ برجل فرس أعجمي فلم يطق الجري فنزل عنه صاحبه إلى أصحابه وركب عمرو.
وبرز فارسي فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له شبر بن علقمة وكان قصيرًا فترجل الفارسي إليه فاحتمله وجلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه ومقود فرسه مشدود في منطقته فلما سل سيفه نفر الفرس فجذبه المقود فقلبه عنه وتبعه المسلم فقتله وأخذ سلبه فباعه باثني عشر ألفًا.
فلما رأى سعد الفيول قد فرقت بين الكتائب وعادت لفعلها أرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو: اكفياني الأبيض وكانت كلها آلفة له وكان بإزائهما وقال لحمال والزبيل: اكفياني الأجرب وكان بإزائهما فأخذ القعقاع وعاصم رمحين وتقدما في خيل ورجل وفعل حمال والزبيل مثل فعلهما فحمل القعقاع وعاصم فوضعا رمحيهما في عين الفيل الأبيض فنفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره فضربه القعقاع فرمى به ووقع لجنبه وقتلوا من كان عليه وحمل حمال والزبيل الأسديان على الفيل الآخر فطعنه حمال في عينه فأقعى ثم استوى وضربه الزبيل فأبان مشفره وبصر به سائسه فبقر أنفه وجبينه بالطبرزين فأفلت الزبيل جريحًا فبقي الفيل جريحًا متحيرًا بين الصفين كلما جاء صف المسلمين وخزوه وإذا أتى صف المشركين نخسوه.
وولى الفيل وكان يدعى الأجرب وقد عور حمالٌ عينيه فألقى نفسه في العتيق فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم فعبرت في أثره فأتت المدائن في توابيتها وهلك من فيها.
فلما ذهبت الفيلة وخلص المسلمون والفرس ومال الظل تزاحف المسلمون فاجتلدوا حتى أمسوا وهم على السواء.
فلما أمسى الناس اشتد القتال وصبر الفريقان فخرجا على السواء.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق