281
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثانى
ذكر بعض سيرته وأخباره وقضاته وكتابه
لما بويع معاوية بالخلافة استعمل على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله واستعمل زمل بن عمرو العذري وقيل السكسكي وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون الرومي وعلى حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل أبو المخارق مالك مولى حمير وكان أول من اتخذ الحرس وكان على حجابه سعد مولاه وعلى القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري فمات فاستقضى أبا إدريس الخولاني.
وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم وكن سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب له بذلك إلى زياد ففتح عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية وطلبها من عمرو وحبسه فقضاها عنه أخوه عبد الله بن الزبير فأحدث عند ذلك معاوية ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم.
قال عمر بن الخطاب: يذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية! قيل: وقدم عمرو بن العاص من مصر على معاوية ومعه من أهل مصر فقال لهم عمرو: لا تسلموا على معاوية بالخلافة فإنه أهيب لكم في قلبه وصغروا ما استطعتم.
فلما قدموا قال معاوية لحجابه: كأني بابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم فانظروا إذا دخل القوم فتعتعوهم أشد ما يحضركم.
فكان أول من دخل عليه رجلٌ منهم يقال له ابن الخياط فقال: السلام عليك يا رسول الله! وتتابع القوم على ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة فسلمتم عليه بالنبوة! قيل: ودخل عبيد الله بن أبي بكرة على معاوية ومعه ولد له فأكثر من الأكل فلحظه معاوية وفطن عبيد الله وأراد أن يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من الأكل ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه فقال معاوية: ما فعل ابنك التقامة قال: اشتكى.
قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء.
قال جويرية بن أسماء: قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس أسود فقال: السلام عليك يا أمين الله! قال: وعليك السلام.
فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأوليه والله لا أوليه! وقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألست أنصح الناس لك قال: بذلك نلت ما نلت.
قال جويرية بن أسماء أيضًا: كان بسر بن أبي أرطاة عند معاوية فنال من علي وزيد بن عمر بن الخطاب حاضرٌ وأمه أم كلثوم بنت علي فعلاه بالعصا وشجه فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ قريش وسيد أهل الشام فضربته! وأقبل على بسر فقال: تشتم عليًا وهو جده وابن الفاروق على رؤوس الناس! أترى أن يصبر على ذلك فأرضاهما جميعًا.
وقال معاوية: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي وجهلٌ أكبر من حلمي وعورة لا أواريها بستري وإساءة أكثر من إحساني.
وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة والهجاء فتعر كريمًا وتستثير لئيمًا والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك.
قال عبد الله بن صالح: قيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك قال: أشدهم لي تحبيبًا إلى الناس.
وقال معاوية: العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد فإذا ذكر ذكر وإذا أعطي شكر
قال عبد الله بن عمير: أغلظ لمعاوية رجلٌ فأكثر فقيل له: أتحلم عن هذا فقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم مالم يحولوا بيننا وبين ملكنا.
وقال محمد بن عامر: لأم معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل عبد الله على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلًا على رجل فقال عبد الله لبديح: إيهًا يا بديح! فتغنى فحرك معاوية رجله فقال عبد الله: مه يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: إن الكريم طروبٌ.
قال ابن عباس: ما رأيت أخلق للملك من معاوية إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رحب ولم يكن كالضيق الحصحص الحصر يعني ابن الزبير وكان مغضبًا.
وقال صفوان بن عمرو: وقف عبد الملك بقبر معاوية فوقف عليه فترحم فقال رجل: قبر من هذا فقال: قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم ويسكت عن حلم إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن بعده هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية.
ومعاوية أول خليفة بايع لولده في الإسلام وأول من وضع البريد وأول من سمى الغالية التي تطيب من الطيب غالية وأول من عمل المقصورة في المساجد وأول من خطب جالسًا في قول بعضهم.
قيل: وفي رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه على ما سبق من الخلاف فيه فلما تولى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى الكوفة النعمان بن بشير ولم يكن ليزيد همة إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية وكتابًا آخر صغيرًا فيه: أما بعد فخذ حسينًا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذًا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام.
فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه.
وكان مروان عاملًا على المدينة من قبل الوليد فلما قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارهًا فلما رأى الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارمًا له حتى جاء نعي معاوية فلما عظم على الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر استدعى مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد كيف يصنع.
قال: أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه أما ابن عمر فلا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوًا.
فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلامٌ حدثٌ إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال: أجيبا الأمير.
فقالا: انصرف الآن نأتيه.
وقال ابن الزبير للحسين: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها فقال الحسين: أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر.فقال: وأنا ما أظن غيره فما تريد أن تصنع قال الحسين: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه.
قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت.
قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع.
فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه: إني داخلٌ فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم.
ثم دخل فسلم ومروان عنده فقال الحسين: الصلة خير من القطيعة والصلح خير من الفساد وقد آن لكما أن تجتمعا أصلح الله ذات بينكما وجلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فاسترجع الحسين وترحم على معاوية وقال: أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سرًا ولا يجترأ بها مني سرًا فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحدًا.
فقال له الويد وكان يحب العافية: انصرف.
فقال له مروان: لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه.
فوثب عند ذلك الحسين وقال: ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو كذبت والله ولؤمت! ثم خرج حتى أتى منزله.
فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمنكم من نفسه بمثلها أبدًا.
فقال الوليد: ونج عيرك يا مروان والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينًا إن قال لا أبايع والله إني لأظن أن أمرًا يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة.
قال مروان: قد أصبت.
يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه.
وأما ابن الزبير فقال: الآن آتيكم.
ثم أتى داره فكمن فيها ثم بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز فألح عليه الوليد وهو يقول: أمهلوني.
فبعث إليه الوليد مواليه فشتموه وقالوا له: يا ابن الكاهلية لتأتين الأمي أو ليقتلنك! فقال لهم: والله لقد استربت لكثرة الإرسال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه.فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال: رحمك الله كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته وهو يأتيك غدًا إن شاء الله تعالى فمر رسلك فلينصرفوا عنه.
فبعث إليهم فانصرفوا.
وخرج ابن الزبير من ليلته فأخذ طريق الفرغ هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وسارا نحو مكة فسرح الرجال في طلبه فلم يدركوه فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم ثم أرسل الرجال إلى الحسين فقال لهم: أصبحوا ثم ترون ونرى.
وكانوا يبقون عليه فكفوا عنه.
فسار من ليته وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له: يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم إلي وأعزهم علي ولست أذخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت وابعث رسلك إلى الناس وادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تأتي مصرًا وجماعة من الناس فيختلفوا عليك فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًا أضيعها دمًا وأذلها أهلًا.
قال الحسين: فأين أذهب يا أخي قال: انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ذلك وإن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ويفرق لك الرأي فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملًا حين تستقبل الأمور استقبالًا ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستبدرها.
قال: يا أخي قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدًا وموفقًا إن شاء الله.
ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن لا ذعرت السوام في شفق الصب ح مغيرًا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى من المهانة ضيمًا والمنايا يرصدنني أن أحيدا ولما سار الحسين نحو مكة قرأ: «فخرج منها خائفًا يترقب» «القصص: 21» . الآية.
ثم إن الوليد أرسل إلى ابن عمر ليبايع فقال: إذا بايع الناس بايعت فتركوه وكانوا لا يتخوفونه.وقيل: إن ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة فعادا إلى المدينة فلقيهما الحسين وابن الزبير فسألاهما: ما وراءكما فقالا: موت معاوية وبيعة يزيد.
فقال ابن عمر: لا تفرقا جماعة المسلمين.
وقدم هو وابن عباس المدينة.
فلما بايع الناس بايعا.
قال: ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخلها قال: أنا عائذ بالبيت.
ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم وكان يقف هو وأصحابه ناحيةً.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق