193
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الثانى
ذكر سرية بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز واليمن
في هذه السنة بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة وهو من عامر بن لؤي في ثلاثة آلاف فسار حتى قدم المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها فهرب أبو أيوب فأتى عليًا بالكوفة ودخل بسر إلى المدينة ولم يقاتله أحد فصعد منبرها فنادى عليه: يا دينار يا نجار يا زريق! وهذه بطون من الأنصار شيخي شيخي عهدته ها هنا بالأمس فأين هو يعني عثمان.
ثم قال: والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلمًا إلا قتلته.فأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله! فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ماذات ترين إن هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن أقتل.
قالت: أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر وختني ابن زمعة أن يبايعا وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعة فأتاه جابر فبايعه.
وهدم بالمدينة دورًا ثم سار إلى مكة فخاف أبو موسى الأشعري أن يقتله فهرب منه وأكره الناس على البيعة ثم سار إلى اليمن وكان عليها عبيد الله ابن عباس عاملًا لعلي فهرب منه إلى علي بالكوفة واستخلف علي على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه وأخذ ابنين لعبيد الله بن عباس صغيرين هما: عبد الرحمن وقثم فقتلهما وكانا عند رجل من كنانة بالبادية فلما أراد قتلهما قال له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب لهما فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما! فقتله وقتلهما بعده.
وقيل إن الكناني أخذ سيفه وقاتل عن الغلامين وهو يقول: الليث من يمنع حافات الدار ولا يزال مصلتًا دون الجار وقاتل حتى قتل.
وأخذ الغلامين فدفنهما.
فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: يا هذا! قتلت الرجال فعلام تقتل هذين والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام! والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطانًا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء! وقتل بسر في ميسره ذلك جماعةً من شيعة علي باليمن وبلغ عليًا الخبر فأرسل جارية بن قدامة السعدي في ألفين ووهب بن مسعود في ألفين فسار جارية حتى أتى نجران فقتل بها ناسًا من شيعة عثمان وهرب بسر وأصحابه منه واتبعه جارية حتى أتى مكة فقال: بايعوا أمير المؤمنين.
فقالوا: قد هلك فمن نبايع قال: لمن بايع له أصحاب علي.
فبايعوا خوفًا منه.
ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بالناس فهرب منه فقال جارية: لو وجدت أبا سنور لقتلته.
ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي فبايعوه وأقام يومه ثم عاد إلى الكوفة ورجع أبو هريرة يصلي بهم.
وكانت أم ابني عبيد الله أم الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ وقيل: عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان.
فلما قتل ولداها ولهت عليهما فكانت لا تعقل ولا تصفي ولا تزال تنشدهما في المواسم فتقول: يا من أحس بنيي اللذين هما كالدرتين تشظى عنهما الصدف يا من أحس بنيي اللذين هما مخ العظام فمخي اليوم مزدهف يا من أحس بنيي اللذين هما قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف منن ذل والهةٍ حيرى مدلهةٍ على صبيين ذلا إذ غدا السلف نبئت بسرًا وما صدقت ما زعموا من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا أحنى على ودجي إبني مرهفةً من الشفار كذاك الإثم يقترف وهي أبيات مشهورة فلما سمع أمير المؤمنين بقتلهما جزع جزعًا شديدًا ودعا على بسر فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله! فاصابه ذلك وفقد عقله فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتى مات.
ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه عبيد الله بن عباس وعنده بسر فقال لبسر: وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين قتلت ولدي.
فقال بسر: هاك سيفي.
فأهوى عبيد الله ليتناوله فأخذه معاوية وقال لبسر: أخزاك الله شيخًا قد خرفت! والله لو تمكن منه لبدأ بي! قال عبيد الله: أجل ثم ثنيت به.
سلمة بكسر اللام: بطن من الأنصار.
وقيل: إن مسير بسر إلى الحجاز كان سنة اثنتين وأربعين فأقام بالمدينة شهرًا يستعرض الناس لا يقال له عن أحد إنه شرك في دم عثمان إلا قتله.
وفيها جرت مهادنةٌ بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة.
بسر بضم الباء الموحدة والسين المهملة.
زريق بالزاي والراء: قبيلة من الأنصار أيضًا.
وجارية بالجيم والراء.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق