152
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الاول
ذكر حصار الطائف
لما قدم المنهزمون من ثقيف ومن انضم إليهم من غيرهم إلى الطائف أغلقوا عليهم مدينتهم واستحصروا وجمعوا ما يحتاجون إليه.
فسار إليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما كان ببحرة الرغاء قبل وصوله إلى الطائف قتل بها رجلًا من بني ليث قصاصًا كان قد قتل رجلًا من هذيل فأمر بقتله وهو أول دم أقيد به في الإسلام وسار إلى ثقيف فحصرهم بالطائف نيفًا وعشرين يومًا ونصب عليهم منجنيقًا أشار به سلمان الفارسي وقاتلهم قتالًا شديدًا حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد المحماة فخرجوا من تحتها فرماهم من بالطائف بالنبل فقتلوا رجالًا.
فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقطع أعناب ثقيف فقطعت ونزل إلى رسول الله نفر من رقيق أهل الطائف فأعتقهم منهم أبو بكرة نفيع بن مسروح وكان للحارث بن كلدة وإنما قيل له أبو بكرة ببكرة نزل فيها وغيره.
فلما أسلم أهل الطائف تكلمت سادات أولئك العبيد في أن يردهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الرق فقال: لا أفعل أولئك عتقاء الله.
ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان أو حلي الفارغة بنت عقيل وكانتا من أكثر النساء حليًا.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة فخرجت فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب.
فدخل عليه عمر وقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة أنك قد قلته قال: قد قلته.
قال: أفلا أؤذن بالرحيل يا رسول الله قال: بلى.
فأذن بالرحيل.
وقيل: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ استشار نوفل بن معاوية الدثلي في المقام عليهم.
فقال: يا رسول الله ثعلبٌ في جحر إن أقمت عليه أخذته إن تركته لم يضرك فأذن بالرحيل.فلما رجع الناس قال رجل: يا رسول الله ادع على ثقيف.
قال: اللهم اهد ثقيفًا وأت بهم.
فلما رأت ثقيفٌ الناس قد رحلوا عنهم نادى سعيد بن عبيد الثقفي: ألا إن الحي مقيم.
فقال عيينة بن حصن: أجل والله مجدةً كرامًا.
فقال رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة أتمدحهم بالامتناع من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: إني والله ما جئت لأقاتل معكم ثقيفًا ولكني أردت أن أصيب من ثقيف جارية لعلها تلد لي رجلًا فإن ثقيفًا قوم مناكير.
واستشهد بالطائف اثنا عشر رجلًا منهم عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأمه عاتكة بنت عبد المطلب وعبد الله بن أبي بكر الصديق رمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والسائب بن الحارث بن عدي وغيرهم.
وهذه بادية بنت غيلان قال فيها هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية: إن فتح الله عيكم الطائف فسل رسول الله أن ينفلك بادية بنت غيلان فإنها هيفاء شموعٌ نجلاء إن تكلمت تغنت وإن قامت تثنت وإن مشت ارتجت وإن قعدت تبنت تقبل بأربع وتدبر بثمان بثغر كالأقحوان بين رجليها كالقعب المكفأ.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت الصفة ومنعه من الدخول إلى نسائه.لما رحل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائف سار حتى نزل الجعرانة وأتته وفود هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصلٌ وعشيرة وقد أصابنا ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك.
وقام زهير بن صرد من بني سعد بن بكر وهم الذين أرضعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك ولو أنا أرضعنا الحارث بنأبي شمر الغساني أو النعمان بن المنذر لرجونا عطفه وأنت خير المكفولين! ثم قال: امنن علينا رسول الله في كرمٍ فإنّك المرء نرجوه وندّخر امنن على نسوةٍ قد عاقها قدرٌ ممزّقٌ شملها في دهرها غير في أبيات.
فخيرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أبنائهم ونسائهم وبين أموالهم فاختاروا أبناءهم ونساءهم فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا أنا صليت بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم وأسأل فيكم.
فلما صلى الظهر فعلوا ما أمرهم به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم.
وقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله.
وقال الأقرع بن حابس: ما كان لي ولبني تميم فلا.
وقال عيينة بن حصن: ما كان لي ولفزارة فلا.
وقال عباس بن مرداس: ما كان لي ولسليم فلا.
فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله.
فقال: وهنتموني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تمسك بحقه من السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم.
وسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن مالك بن عوف فقيل: إنه بالطائف.
فقال: أخبروه إن أتاني مسلمًا رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة بعير.
فأخبر مالك بذلك فخرج من الطائف سرًا ولحق برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأسلم وحسن إسلامه واستعمله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل التي حول الطائف فأعطاه أهله وماله ومائة بعير.
وكان يقاتل بمن أسلم معه من ثمالة وفهم وسلمة ثقيفًا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم.
ولما فرغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رد سبايا هوازن ركب واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا حتى ألجؤه إلى شجرة فاختطف رداؤه فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نعمٌ لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا.
ثم رفع وبرة من سنام بعير وقال: ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس وهو مردود عليكم.
ثم أعطى المؤلفة قلوبهم وكانوا من أشراف الناس يتألفهم على الإسلام فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام والعلاء بن جارية الثقفي والحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ومالك بن عوف النصري كل واحد منهم مائة بعير وأعطى دون المائة رجالًا منهم: مخرمة بن نوفل الزهري وعمير بن وهب وهشام بن عمرو وسعيد بن يربوع وأعطى العباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال: كانت نهابًا تلافيتها بكرّي على المهر في الأجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع النّاس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبي د بين عيينة والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرإٍ فلم أعط شيئًا ولم أمنع إلاّ أفائل أعطيتها عديد قوائمها الأربع وما كان حصنٌ ولا حابسٌ يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرءٍ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع فأعطاه حتى رضي.
وقال رجل من الصحابة: يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع وتركت جعيل بن سراقة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن يعدل إذا لم أعدل فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله فقال: دعوه ستكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث الدم وقيل: إن هذا القول إنما كان في مال بعث به علي من اليمن إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقسمه بين جماعة منهم: عيينة والأقرع وزيد الخيل.
قال أبو سعيد الخدري: لما أعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أعطى من تلك الغنائم في قريش وقبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئًا وجدوا في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه.
فأخبر سعد بن عبادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك فقال له: فأين أنت يا سعد قال: أنا من قومي.
قال: فاجمع قومك لي فجمعهم.
فأتاهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما حديث بلغني عنكم ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله بي وفقراء فأغناكم الله بي وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي قالوا: بلى والله يا رسول الله ولله ورسوله المن والفضل.
فقال: ألا تجيبوني قالوا: بماذا نجيبك فقال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك ومخذولًا فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلًا فواسيناك أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم والذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت أمرًا من الأنصار ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا.
وتفرقوا.
ثم اعتمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الجعرانة وعاد إلى المدينة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس وحج عتاب بن أسيد بالناس وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج وعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجة.
وفيها بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى من الأزد بعمان مصدقًا فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم وأخذ الجزية من المجوس وهم كانوا أهل البلد وكان العرب حولها وقيل سنة سبع.
وفيها تزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكلابية واسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان فاختارت الدنيا وقيل: إنها استعاذت منه ففارقها.
وفيها ولدت مارية إبراهيم ابن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذي الحجة فدفعه إلى أم بردة بنت المنذر الأنصارية فكانت ترضعه وزوجها البراء بن أوس الأنصاري.
وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأرسلت أبا رافع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبشره بإبراهيم فوهب له مملوكًا وغار نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعظم عليهن حين رزقت مارية منه ولدًا.
وفيها بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كعب بن عمير إلى ذات إطلاح من الشام إلى نفر من قضاعة يدعوهم إلى الإسلام ومعه خمسة عشر رجلًا فوصل إليهم فدعاهم إلى الاسلام فلم يجيبوه وكان رئيس قضاعة رجلًا يقال له سدوس فقتلوا المسلمين ونجا عمير فتقدم إلى المدينة.
وفيها بعث أيضًا عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر من تميم فأغار عليهم وسبى منهم نساء وكان على عائشة عتق رقبة من بني إسماعيل فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا سبي بني العنبر يقدم علينا فنعطيك إنسانًا فتعتقينه.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق