139
الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء الاول
ذكر غزوة ذي قرد
ثم قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة فلم يقم إلا أيامًا قلائل حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل غطفان على لقاح النبي وأول من نذر بهم سلمة بن الأكوع الأسلمي هكذا ذكرها أبو جعفر بعد غزوة بني لحيان عن ابن إسحاق والرواية الصحيحة عن سلمة: أنها قال سلمة بن الأكوع: أقبلنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة بعد صلح الحديبية فبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بظهره مع رباح غلامه وخرجت معه بفرس طلحة بن عبيد الله فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن ابن عيينة بن حصن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستاقه أجمع وقتل راعيه قلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن المشركين قد أغاروا على سرحه ثم استقبلت الأكمة فناديت ثلاثة أصوات: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا خرج إلي فارس قعدت في اصل شجرة فرميته فعقرت به وإذا دخلوا في مضايق الجبل رميتهم بالحجارة من فوقهم فما زلت كذلك حتى ما تركت من ظهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعيرًا إلا جعلته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه وألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا وثلاثين بردة يستخفون بها لا يلقون شيئًا إلا جعلت عليه أمارة أي علامة حتى يعرفه أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى إذا انتهوا إلى متضايق من ثنية أتاهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ممدًا فقعدوا يتضحون فلما رآني قال: ما هذا قالوا: لقينا منه البرح وقد استنفذ كلما بأيدينا فما برحت مكاني حتى أبصرت فوارس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتخللون الشجر أولهم الأخرم الأسدي واسمه محرز بن نضلة من أسد بن خزيمة وعلى أثره أبو قتادة وعلى أثرهما المقداد بن عمرو الكندي فأخذت بعنان الأخرم وقلت: احذر القوم لا يقتطعوك حتى تلحق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة.
قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ولحق أبو تقادة فارس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعبد الرحمن فطعنه فانطلقوا هاربين قال سلمة: فوالذي كرم وجه محمد لأتبعنهم أعدو على رجلي حتى ما أرى من أصحاب محمد ولا غبارهم شيئًا.
وعدلوا قبل غروب الشمس إلى غار فيه ماء يقال له ذو قرد يشربون منه وهم عطاش فنظروا إلي أعدو في آثارهم فحليتهم فما ذاقوا منه قطرة قال: واشتدوا في ثنية ذي أبهر فأرشق بعضهم بسهم فيقع في نغض كتفه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع.
وإذا فرسان على الثنية فجئت بهما أقودهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ولحقني عمي عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وصليت وشربت ثم جئت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على الماء الذي أجليتهم عنه بذي قرد وإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أخذ تلك الإبل التي استنقذت من العدو وكل رمح وكل بردة وإذا بلال قد نحر لهم ناقة من الإبل وه يشوي منها فقلت: يا رسول الله خلني أنتخب مائة رجل فلا يبقى منه عين تطرف.
فضحك وقال: إنهم ليقرون بأرض غطفان.
فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورًا فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارًا فقالوا: أتيتم فخرجوا هاربين.
فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالنا سلمة بن الأكوع ثم أعطاني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سهم الفارس وسهم الراجل ثم أردفني وراءه على العضباء.
فبينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا فقال: ألا من مسابق مرارًا فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إيذن لي فلأسابق الرجل.
قال: إن شئت.
قال: فطفرت وربطت شرفًا أو شرفين فألحقه فقلت: سبقتك والله! فسبقته إلى المدينة فلم نمكث بها إلا ثلاثًا حتى خرجنا إلى خيبر.
وفي هذه الغزوة نودي: يا خيل الله اركبي ولم يكن يقال قبلها.
قرد بفتح القاف والراء. ذكرت هذه الغزوة بعد غزوة ذي قرد وكانت في شعبان من السنة سنة ست وكان بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن بني المصطلق تجمعوا له وكان قائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما سمع بهم خرج إليهم فلقيهم بماء لهم يقال له المريسيع بنحية قديد فاقتتلوا فانهزم المشركون وقتل من قتل منهم وأصيب رجل من المسلمين من بني ليث بن بكر اسمه هشام بن صبابة أخو مقيس بن صبابة أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت بسهم وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا كثيرة فقسمها في المسلمين وفيهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته عن نفسها فأتت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستعانته في كتابتها فقال لها: هل لك في خير من ذلك قالت: وما هو يا رسول الله قال: أقضي كتابتك وأتزوجك.
قالت: نعم يا رسول الله.
ففعل وسمع الناس الخبر فقالوا: أصهار رسول الله فأعتقوا أكثر من مائة بيت من أهل بني المصطلق فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وبينما الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غفار يقال له جهجاه فازدحم هو وسنان الجهني حليف بني عوف من الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين! فغضبت عبد الله بن أبي بن سلول وعند رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السن.
فقال: أقد فعلوها ! قد كاثرونا في بلادنا! أما والله «لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَة لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ مِنْهَا الأذَلَّ» «المنافقون: 8» . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم ببلادكم وقاسمتموهم أموالكم! والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.
فسمع ذلك زيد فمشى به إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك عند فراغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غزوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله مر به عباد بن بشر فليقتله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه! ولكن أذن بالرحيل.
فارتحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها ليقطع ما الناس فيه.
فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه وقال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة لم تكن تروح فيها.
فقال: أوما بلغك ما قال عبد الله بن أبي قال: وماذا قال: زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال أسيد: فأنت والله تخرجه إن شئت فإنك العزيز وهو الذليل ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد من الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا. وسمع عبد الله بن أبي زيدًا أعلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله فمشى إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به.
وكان عبد الله في قومه شريفًا فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أخطأ وأنزل الله: «إذَا جَاءكَ المُنَافِقُونَ» «المنافقون: 1» . تصديقًا لزيد فلما نزلت أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأذن زيد وقال: هذا الذي أوفى الله بأذنه.
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ما كان من أمر أبيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه وأخشى أن تأمر غيري بقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.
فكان بعد ذلك إذا أحدث حدثًا عاتبه قومه وعنفوه وتوعدوه فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم: كيف ترى ذلك يا عمر أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.
فقال عمر: أمر رسول الله أعظم بركة من أمري.
وفيها قدم مقيس بن صبابة مسلمًا فيما يظهر فقال: يا رسول الله جئت مسلمًا وجئت أطلب دية أخي وكان قتل خطًا فأمر له بدية أخيه هشام بن صبابة وقد تقدم ذكر قتله آنفًا فأقام عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدًا فقال: شفى النفس أن قد بات في القاع مسندًا تضرّج ثوبيه دماء الأخادع وكانت هموم النّفس من قبل قتله تلمّ فتحميني وطاء المضاجع حللت به نذري وأدركت ثؤرتي وكنت إلى الأصنام أوّل راجع مقيس بكسر الميم وسكون القاف وفتح الياء تحتها نقطتان.
وصبابة بصاد مهملة وببائين موحدتين بينهما ألف.
وأسيد بهمزة مضمومة.
وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق