إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 25 مارس 2014

97 أصول الفلسفة الماركسية القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية الدّرس الرابع عشر : تكوين الاشتراكية العِلميَّة أهميتها وتأثيرها 2 ـ الاشتِراكيَّة الخيَاليَّة



97


أصول الفلسفة الماركسية

القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية

الدّرس الرابع عشر : تكوين الاشتراكية العِلميَّة

أهميتها وتأثيرها

2 ـ الاشتِراكيَّة الخيَاليَّة


تكونت في ظروف التي أوجدها المجتمع الرأسمالي، فقد ناضلت البرجوازية ضد النظام الإقطاعي باسم الحرية والأخوة. غير أن حكم البرجوازية في فرنسا وانجلترا، جعل من المجتمع مأسدة. ولما كان نمو الصناعة، في نطاق الرأسمالية، يشرط استغلال العمال فقد شاهدنا نشوء إقطاعيات جديدة، هي إقطاعيات المال التي هيأت للبرجوازية الحاكمة الأبهة والسلطان، بينما كان شقاء الجماهير الكادحة، في القطب الأخر للمجتمع، يزداد بصورة مخيفة.

كانت نقطة انطلاق الاشتراكية الخيالية التشهير بهذا الوضع الذي كان الاقتصاديون البرجوازيون يقولون عنه بأنه وضع "طبيعي" لأنه كان يضمن نمو الصناعة. ولهذا قام الاشتراكيون الخياليون بنقد نظام قال عنه فورييه "يولد فيه الفقر من الازدهار نفسه".

ويلاحظ سان سيمون (1760 – 1825) أن الإنتاج ينمو في الرأسمالية بصورة مستبدة خلال نضال مرير من الصناعيين حتى يولد أعظم الآلام للكادحين. وكان يعتقد بأن نمو الصناعة يجلب السعادة للإنسانية، ولهذا وصف فضائل تنظيم الإنتاج تنظيماً عقلانياً على يد رجال تشاركوا لاستغلال الطبيعة معاً، وهكذا يزول استغلال الإنسان للإنسان فننتقل من "حكومة الناس إلى إدارة الأشياء ".

ولقد درس شارل فورييه (1772ـ1837) أزمات الرأسمالية، وحارب نتائج المضاربة التي تحمل الخراب وشهر بمساوىء الاحتكار والتجارة.

ولما كان نصيراً للمساواة بين الرجل والمرأة فقد قام بنقد استغلال النساء على يد البرجوازية. وهو يرى في الدولة المدافع عن مصالح الطبقة الحاكمة، كما دلل كيف أن البرجوازية، بعد أن عادت إلى الدين المسيحي الذي ناهضته في الماضي تنشر الأفكار "الأخلاقية" التي تدعو للخضوع والاستسلام وتعمل من أجلها.

وهو يدعو إلى التعاونية لمداواة هذه الأمراض. فيشترك المالكون في ممتلكاتهم وعملهم ونبوغهم وينتظمون في طوائف صغيرة للإنتاج تضمن للإنسانية إمكانية ازدهار منسجم، وهكذا يزول الأجر وتصبح التربية بوليتكنيكية، وتعمل المنافسة في العمل من أجل الصالح العام، وتفتح مراكز العمل الكبيرة التي تستخرج خيرات الكرة الأرضية .

"وكان روبير أوين (1771 – 1858) مقتنعا، اقتناع الماديين في القرن الثامن عشر، بأن أخلاق الناس (من عيوب وفضائل) هي ثمرة للظروف، ولهذا فهو يرى بأن الثورة الصناعية التي حدثت في انجلترا توجد الظروف التي تساعد على تحقيق السعادة للجميع. فجعل من مغزلة ثيولنارك "مستعمرة نموذجية لا تعرف الإدمان على شرب الخمر أو الشرطة أو السجن أو المحاكم أو الإغاثة العامة أو الحاجة للإنسان الخاص ".

ثم يتحدث عن الشيوعية فيقول: "يجب أن تكون قوى الإنتاج التي نمتها الصناعة الضخمة ملكا جماعياً، كما يجب أن يستفيد منها جميع أعضاء المجتمع. وخيل إليه أنه يستطيع التمهيد للتنظيم الشيوعي للمجتمع بواسطة تعاونيات الإنتاج والاستهلاك (وهي عبارة عن جزر في الخضم الرأسمالي، وكان مصيرها الزوال).

كان لكبار الفلاسفة الخياليين فضائل كبيرة وقد أشار إلى ذلك كل من انجلز وماركس. فلقد شاهدوا الرأسمالية وهي في أوج ازدهارها، فوصفوا عيوبها وشهروا بها، كما أنهم تنبأوا بنهايتها في زمن خيل إليها فيه أنها خالدة. فأرادوا القضاء على استغلال الإنسان للإنسان. ولما كانوا أبطال تربية تقدمية فقد وثقوا بالإنسانية لاعتقادهم أن سعادتها ممكنة على هذه الأرض. ولهذا فهم يحتلون مكانة سامية في تاريخ الاشتراكية.

ومع ذلك عجزوا عن تغيير حال المجتمع . فلماذا؟ عاش كبار الفلاسفة الخياليين في الفترة الأولى للرأسمالية. ثم أخذت تناقضات الرأسمالية في الازدياد فنشأت عن ذلك الفوضى في الإنتاج وبؤس الجماهير. ولكن الرأسمالية كانت لا تزال فتية فلم تظهر في داخل نظامها القوة التي تستطيع أن تناضل موضوعيا ضد الرأسمالية، وأن تتغلب عليها، وأن تؤسس المجتمع الاشتراكي. هذه القوة هي البروليتاريا التي يولدها، بالضرورة، نمو البرجوازية الرأسمالية، لأن قوتها تعتمد باجمعها على استغلال البروليتاريا.

غير أن البروليتاريا كانت، في مطلع القرن التاسع عشر، لا تزال قليلة العدد، ضعيفة، قد جزأتها المضاربة. وكان نضالها الطبقي، ضد البرجوازية، لا يزال ضعيفاً: ولما كان هذا النضال غير منظم فلم يكن، في هذه المرحلة، يهدف الا لتحقيق مطالب مباشرة، ولا سيما تخفيض ساعات العمل. كما كان هذا النضال يقاسي آلاماً شديدة فلم يهتم بالمستقبل. وكانت البروليتاريا، فيما يتعلق بالسياسة، لا تزال تحت وصاية البرجوازية (التي كانت تستخدمها، في فرنسا، في نضالها ضد بقايا الإقطاع: وهكذا ساعد البروليتاريون في عام 1830 البرجوازية لطرد آل بوربون ليحل محلهم ملك برجوازي هو لوي فيليب).

ولقد شاهد كبار الفلاسفة الخياليين، الذين انحدروا من البرجوازية، والألم يحز في قلوبهم، ما تعانيه البروليتاريا المستغلة من عذاب، وقد منعهم ذلك من رؤية القوى الضخمة التي تكمن في البروليتاريا والتي جعلت منها طبقة المستقبل بينما كانت البرجوازية تعتقد أنها خالدة .

الخلاصة: بما أن هؤلاء الفلاسفة الخياليين لم يجدوا، في مجتمع أيامهم، الوسائل الموضوعية للقضاء على هذا العذاب فأنهم لم يروا أمامهم سوى وضع مشروع فكري. فاستوحوا من أدمغتهم وصفاً تاماً لمجتمع كامل، قارنوه بالواقع المحزن. ولكنهم كانوا يجهلون قانون تطور المجتمع الرأسمالي فلم يستطيعوا اكتشاف العلاقة الموضوعية بين المجتمع الذي ينتقدونه والمجتمع الذي يحلمون به. ومن هنا كان وصف اشتراكيتهم بأنها "خيالية" ولهذا كانوا مثاليين وزملاء فلاسفة القرن الثامن عشر الذين كانوا يعتقدون أن "العقل" له القدرة على توليد مجتمع عادل، فنادوا بالعدالة والأخلاق.

ما هي الوسائل التي يقترحونها لتحقيق المجتمع الجديد؟ كان هؤلاء الفلاسفة لا يجهلون قوة النضال الطبقي المبدعة كما كانوا يخشون عمل الجماهير السياسي ويرون فيه مثال الفوضى فلم يكن أمامهم سوى التنبؤ. ولهذا فهم يحاولون في كتاباتهم أو بواسطة المجتمعات النموذجية أن يقنعوا الناس بصحة نظامهم.

ويؤكد سان سيمون بأن حزب العمال  "سيتكون بعد ثمان وأربعين ساعة من ظهور منشوره" كما يقول أنه لا يجب "نبذ الدين لأن الاشتراكية نوع من الدين"
وهم يجهدون لضم البرجوازية إلى أفكارهم آملين أن تحقق لهم أفكارهم عن طريق السلطان الذي تتمتع به. وهذا وهم وخيال لأن مصالح البرجوازية الطبقية تتعارض مع الاشتراكية بصورة مطلقة.        

ولهذا لم يستطع سان سيمون وفورييه وأوين أن ينجحوا. ومما يميز ماركس عن كبار الفلاسفة الخياليين، أنه، بدلا من أن يتخيل مشروع مثالي، فقد أقام الاشتراكية على أسس علمية. وبالرغم من أن نقد كبار الفلاسفة الخياليين للرأسمالية كان نقداً لاذعاً فأنهم لم يكونوا يملكون النزعة المادية التاريخية، وعلم المجتمعات الذي حقق لماركس انتصاراً نهائياً. ولهذا فهم، بالرغم من تأكدهم من نتائج الاستغلال الرأسمالي، فأنهم عجزوا عن إدراك عمله. كما عجزوا عن اكتشاف الدور الذي ستقوم به البروليتاريا في القضاء على الرأسمالية. فظهر عجزهم النظري في صور عجز عملي .

فاحتل العلم، بفضل ماركس، مكان الخيال وأصبحت الاشتراكية التي يحلم بها الخياليون واقعاً محسوساً.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق