94
أصول الفلسفة الماركسية
القسم الثالث : النزعة المادية الجدلية
الدّرس الرابع عشر : تكوين الاشتراكية العِلميَّة
أهميتها وتأثيرها
1 ـ مَصَادِر الماركسِيَّة الثَلاثة
أ) ـ الفَلسَفَة الألمَانِيَّة
الفلسفة الالمانية في مطلع القرن التاسع عشر مصدر للماركسية. وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً (المدخل والدرس الأول).
كما نعلم أن هيجل، وهو المعجب بثورة 1789، أراد أن يقوم بثورة في ميدان الأفكار تشبه ما قامت به الثورة الفرنسية في ميدان الوقائع، ومن هنا كانت الجدلية: فكما أن الثورة الفرنسية قد قضت على النظام الإقطاعي الذي كان يظن أنه خالد، فكذلك قامت الجدلية بالقضاء على الحقائق التي كانت تظن نفسها خالدة: فهي ترى في التاريخ عملية محركها نضال الأفكار المتناقضة: هكذا كانت مطامح البرجوازية الألمانية تعبر عن نفسها فكريا في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر.
كانت ألمانيا مجزأة وكانت لا تزال تخضع للنظام الإقطاعي، كما كانت البرجوازية الألمانية الفتية تحلم بأن تقوم بما قامت به البرجوازية الفرنسية على الضفة الثانية للرين. غير أنها كانت ضعيفة فلم يكن بمقدورها القيام بهذه المهمة التاريخية. وهذا ما يفسر نقص فلسفة هيجل الأساسي: الا وهي نزعته المثالية. فالنزعة المثالية هي دائما انعكاس لعجز موضوعي: وهي تعبير نظري عن برجوازية تريد القضاء على الإقطاع ولكنها تعجز عن ذلك. فكانت فلسفة هيجل، حسب قول انجلز، "إجهاضا ضخما " وهكذا يظل التطور الجدلي تطورا فكريا صرفا. كما أنه، بالإضافة إلى ذلك، قد تحالف مع الدولة الاقطاعية البروسية فإذا به ينظر إلى هذه الدولة على أنها التعبير التاريخي الضروري عن الفكرة. وهكذا تحصر الجدلية نفسها في نطاق تجريد(idealisation) ما هو كائن... كما تقف حركتها عن السير لعجز طبقة لا يمكنها القيام بالثورة...الا في الذهن.
ومع ذلك فقد اضطر الفلاسفة البرجوازيون في الجيل الذي خلف هيجل (مات 1831) مباشرة ـ وقد حملهم على ذلك نضالهم ضد الإقطاعية الأكليركية ـ إلى أن يبحثوا عن السلاح النظري ضد عدوهم الطبقي في النزعة المادية الملحدة في القرن الثامن عشر. وتتمثل هذه المرحلة في لودفيج فورباخ. فلقد أعاد كتابه "جوهر المسيحية" (1841) "النزعة المادية إلى عرشها". كما أنه أثر في ماركس (ولد 1818) تأثيراً قوياً، وفي انجلز (ولد 1820). وينحدر كلاهما من البرجوازية الألمانية المتحررة.
ولكن نزعة فورباخ المادية ظلت ميكانيكية، (راجع الدرس التاسع) إذ يرى فورباخ ـ وهو محق ـ في الإنسان ثمرة للطبيعة، ولكنة لا يرى أن الإنسان أيضاً منتج يحول الطبيعة، وأن هذا هو مصدر المجتمع وكان فورباخ يفتقد إلى نظرة علمية للتاريخ فاستعاض عنها بديانة غامضة تقوم على الحب، أي بعودة إلى النزعة المثالية. وهذا عجز يعبر عن عجز البرجوازية الألمانية التي لم تستطيع عام 1848 القيام بثورتها ضد الإقطاعيين وتنتصر عليهم.
ونعلم أن ماركس قد أنشأ فلسفة علمية في وضعه للنزعة المادية الجدلية، وقد تخطت هذه الفلسفة جدلية هيجل المثالية، كما تخطت نزعة فورباخ المادية الميكانيكية وقد عرض ماركس، لأول مرة ، للنزعة المادية الجدلية في "أفكار حول فورباخ" وقد كتبها ماركس عام 1845. وتعبر الفكرة الحادية عشرة عن الانتقال من الفلسفة الكلاسيكية الألمانية إلى الماركسية فيقول:
"لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بصور مختلفة بينما كان الواجب تحويله ".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق