إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 25 مارس 2014

56 أصول الفلسفة الماركسية القسم الثاني : دراسة المادية الفلسفية الماركسية الدّرسُ التاسع : ميزة النّزعة المادّية الماركسيَّة الأولى مَادّية العَالم 3 – المَاديَّة وَالحَرَكَة


56

أصول الفلسفة الماركسية

القسم الثاني : دراسة المادية

الفلسفية الماركسية

الدّرسُ التاسع : ميزة النّزعة المادّية الماركسيَّة الأولى

 مَادّية العَالم

3 – المَاديَّة وَالحَرَكَة


أن مسألة علاقات المادية بالحركة مسألة خطيرة في تحديد كل من النزعة المثالية والنزعة المادية.

ذلك لأن النزعة المثالية تعتقد أن الحركة والنشاط والقدرة الخلاقة أنما هي من ميزات الروح فقط. وهي ترى أن المادة عبارة عن كتلة جامدة سلبية لا صورة لها. وهي بحاجة لميسم الروح الذي يحييها كي تتخذ صورة معينة. وهكذا ترى النزعة المثالية أن المادة لا يمكن أن تنتج أي شيء بنفسها فإذا ما أخذت تتحرك فأن ذلك بفضل الله أو الروح.

ولهذا فأن فصل المادة عن الحركة طابع مميز للفكر الميتافيزيقي. كما أنه منهج ضروري في بداية العلوم كلما كانت المادة الثابتة أسهل في الدراسة من المادة المتحركة.

حتى إذا ما ازدهرت العلوم الحديثة ظلت الفكرة القائلة بأن الحركة قد وهبها الله للمادة عند الخليقة.

وهكذا تخيل نيوتن، وهو الذي طور علم حركة الأجسام السماوية، الكون على أنه ساعة ضخمة محكمة الصنع، ولكنها كانت بحاجة لهزة أولية سيرت آلاتها.

ذلك لأن أول علم أصاب حظاً من الكمال هو علم الميكانيكا أي علم تحركات الأجسام الصلبة في الفضاء، سواء كانت سماوية أم أرضية. ويمكن لأول وهلة أن نفترض في علم الميكانيكا أن كمية المادة في جسم من الأجسام تتحرك مستقلة عن السرعة التي يتحرك بها. ويبدو هذا تأكيدا للفكرة الميتافيزيقية القائلة بأن المادة والحركة حقيقتان متميزتان.

أما النزعة المادية فهي تقول، على العكس، بأن الحركة صفة أساسية للمادة و أن المادة هي حركة، وتخيل ديمقريط الذرات التي تكون العالم تدفعها حركة خالدة.

ولقد أثرت هذه الأفكار في عصر النهضة، وقام غاليلي، في مطلع القرن السابع، بدراسة سقوط الأجسام دراسة علمية، كما أدى تطور الرياضيات إلى التدليل، لأول مرة، على حركة الجسم الذي يهوي إلى الأرض بصورة مرضية. وهكذا أدى تقدم العلوم إلى تقدم النزعة المادية، وظهور الفلاسفة، ومنهم ديكارت، الذين قالوا بأن كل شيء في الطبيعة تفسره قوانين حركة الأجسام. فحل محل تأثير الفعل الإلهي حتمية صارمة.

يفسر لنا هذا النزعة المادية الفرنسية في القرن السابع عشر، وهي تمثل تقدما عظيما بالنسبة لمختلف صور النزعة المثالية الدينية. ومع ذلك فقد كانت هذه النزعة المادية ناقصة، ذلك لأن علم الميكانيكا، كما رأينا، كان يساعد آنذاك على افتراض أن الحركة قد جاءت إلى المادة "منذ بدء الخليقة" مما يترك المجال لعودة النزعة المثالية الدينية. ومع ذلك فقد دافع أقوى المفكرين، أمثال ديدرو، بنجاح عن الفكرة القائلة بأن الحركة صفة كامنة في المادة.

غير أنه يجب هنا أن نشير إلى واقع تاريخي وهو أن الناس لم يكونوا يعرفون سوى قوانين الحركة في المكان بصورة علمية. ولم تكن صور حركة المادة الأخرى قد كشفت عن قوانينها، ولم تكن علوم الكيمياء، والحرارة، والحياة قد ظهرت للوجود. ولهذا فسرت جميع الظواهر التي تدرسها هذه العلوم بواسطة أسباب ميكانيكية. فضل العلماء في جهلهم ميزة كل شكل من أشكال الحركة في المادة، ومن هنا نشأ اسم النزعة المادية الميكانيكية المغالية (Materialisme mecaniste) الذي أطلق على النزعة المادية في ذلك العصر. ويلاحظ انجلز أن ذلك يدل على ضيق أفق النزعة المادية السابقة على ماركس.

ولهذا لم تنجح هذه النزعة المادية في تفسير الأشكال العليا لحركة المادة، كالحياة والفكر.

فقد كان الديكارتيون، مثلا، يعتقدون أن الحيوانات لا روح لها، فهي أشبه بالآلات. فكان أن أخذ العلماء يحاولون صنع الإنسان الآلة (Robot) لتقليدها. غير أنه من الواضح أن الجسم الحي لا يشبه الآلة مهما كان نصيبها من الدقة والأحكام، وبالرغم من أن "بطة فوكانسون" الشهيرة (Canar de vaucanson) كانت تقوم بجميع وظائف الحياة فأنها كانت تهمل وظيفة التناسل.

وهكذا تشوه النزعة المادية الواقع. كما أنها تجعل من الإنسان ثمرة سلبية للطبيعة لا تأثير له في المادة ولا حول له ولا حرية.

وتعتمد النزعة المثالية في هجماتها في الواقع على النزعة المادية الآلية التي تتيح لها فرصة نادرة لمثل هذه الهجمات فتلح في القول على جوانب الواقع التي تشوهها النزعة المادية الآلية.

ومن هنا كان القول "عن النزعة المادية التي تجعل من الإنسان آلة وإنسانا آليا" حتى إذا ما أخذنا بدراسة صور الحركة المادية الأخرى كالحرارة والكهرباء والمغناطيس والعمليات الكيمائية والحياة لم تعترف النزعة المثالية بهزيمتها. فهي تعلن، معتمدة على القول بأن المادة جامدة، أن الله قد وهب المادة "قوى" كالقوة الكهربائية والقوة المغناطيسية والقوة الكيمائية والحياة والروح وأن المادة لا تستطيع خلق جميع هذه القوى. ذلك هو رأي الفيزيائي الإنجليزي جول (1818 ـ 1889).

ولقد استطاعت النزعة المادية الجدلية أن تفسير هذه الظواهر تفسيراً مرضياً فدلت على أن هذه الظواهر أنما هي صور لحركة المادة، وأن المادة لا تستطيع فقط إحداث الحركة بل تستطيع أيضا إحداث تغييرات نوعية، وأنها تملك ديناميكية داخلية نشيطة وقدرة على الخلق تعتمد على وجود التناقض داخل الأشياء ذاتها.

وصفنا هذه النظرة الجدلية لحركة المادة عند دراستنا للجدلية، ولقد أثبتت العلوم صحة هذه النظرة. ولهذا يؤكد ستالين في النص الذي ذكرناه آنفا أن مادية مختلف ظواهر الكون لا يمكن فهمها علمياً إلا إذا قامت قوانينها على نهجٍ جدلي، والا أتاح العلم الفرصة لكل تفسير مثالي.

والاكتشافات العلمية الكبرى التي أظهرت بوضوح جدلية الطبيعة وأتاحت تجاوز النزعة المادية الآلية وأقامة النزعة المادية الجدلية هي ثلاثة اكتشافات:

أ) اكتشاف تحول الطاقة الذي أوجد فكرة التغير النوعي وأظهر مختلف القوى الفيزيائية على أنها مظاهر لحركة المادة.

ب) اكتشاف الخلية الحية الذي كشف سر تكون الأجسام الحية وأتاح تصور الانتقال من الجسم الكيمائي إلى الجسم الحيوي، وإدراك نمو الكائنات الحية.

ج) اكتشاف تطور الأنواع الحية الذي قضى على الحاجز الميتافيزيقي بين مختلف الأنواع، بين الإنسان وسائر أنواع الطبيعة، وكذلك اكتشاف نظرية التطور عامة التي أظهرت الكون جميعاً، والمجتمع الإنساني، على أنه تطور تاريخي طبيعي، فإذا بالمادة تبدو وكأنها تصاعد في نمو تاريخي.

ومع ذلك كان لا بد من إنتهاج المنهج الجدلي بقوةٍ لإدراك أهمية هذا الاكتشاف وهذا ما فعله ماركس وانجلز.

وهكذا يبدو أن النزعة الجدلية هي الوحدة التي استطاعت أن تفسر الظواهر العليا كالحياة والفكر تفسيراً طبيعياً دون أن تنزع من هذه الظواهر أية ميزة خاصة أو تعتمد على مساعدة "مبدأ حيوي" أو "روحي" فما هي تفاصيل هذا التفسير؟ يجيب العلم على هذا السؤال، ذلك العلم الذي تنير طريقه النزعة المادية الجدلية، العلم الذي نادى به ميتشورين وليسكنوا وأولجا لبيشنسكايا وستشنوف وبافلوف وأمثالهم.

تؤمن النزعة المادية الجدلية بالعلم، بينما تسرع النزعة المثالية إلى إعلان عجزها كما لو أنها كانت تنتظر جوابا جاهزا. ولا يطلب جواباً مباشراً على المشاكل التي تقف في وجه العلم إلا الأغبياء. وليس لدى العلم جواب جاهز، وأما النزعة المثالية فلديها مثل هذا الجواب وهو القول بوجود "الروح". ولكن هذا القول ليس سوى كلمة تخفي الجهل وراءها. ولما كانت "الروح" لا تمتاز بأية صفة من الصفات المادية المعروفة فأنها تسمح "بتفسير" كل ما يتعلق بصفات المادة المجهولة.

ولهذا يقول المثالي:

"أنسب كل ما اجهله إلى الروح".

يتصور المثالي، الذي يأخذ على النزعة المادية أنها لم تتطور منذ ألفي سنة(!) وأنها تردد دائما نفس الشيء، المادة بصورة جامدة لا تتغير. حتى إذا ما اكتشف العلم وجها جديدا لحركة المادة الشاملة وضاق مجال "التفسير" المثالي أسرع المثالي إلى القول بأن "المادة" قد زالت وتبخرت الخ. أما الذي تبخر حقيقة فهي الفكرة الضيقة الآلية الميتافيزيقية التي تصورها عن المادة ولا غير. إذ لا يجب أن نخلط بين الأفكار العلمية المثالية عن المادة التي تعبر عن حالة معلوماتنا في فترة معينة من الزمن وبين الفكرة الفلسفية عن المادة التي تقوم عليها الأبحاث العلمية.

قال انجلز: "يجب على النزعة المادية أن تتخذ طابعاً جديداً مع كل اكتشاف كبير جديد".

نخلص من ذلك إلى القول مع انجلز بأن "الحركة هي صورة الوجود للمادة" وأن منبع الحركة والديناميكية قائم في المادة نفسها.

ولهذا لا تعني النظرة المادية للطبيعة سوى فهم الطبيعة كما هي بدون أي عامل أجنبي .

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق