إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 25 مارس 2014

54 أصول الفلسفة الماركسية القسم الثاني : دراسة المادية الفلسفية الماركسية الدّرسُ التاسع : ميزة النّزعة المادّية الماركسيَّة الأولى مَادّية العَالم 1 – المَوقِفُ المِثالي


54

أصول الفلسفة الماركسية

القسم الثاني : دراسة المادية

الفلسفية الماركسية

الدّرسُ التاسع : ميزة النّزعة المادّية الماركسيَّة الأولى

 مَادّية العَالم

1 – المَوقِفُ المِثالي


تقوم أقدم صورة للنزعة المثالية على شرح الظواهر الطبيعية بواسطة فعل قوى غير مادية، واعتبار الطبيعة مزودة "بأرواح" تسيرها.

ويبدو أنه ليس من الصعب محاربة هذه الصورة من النزعة المثالية. فلقد أدى تقدم الإنتاج والوسائل التقنية وتقدم العلم إلى القضاء على هذه الشروح بالتدريج.

فإذا بالشعوب المتقدمة تقضي، منذ أمد بعيد، على جنيات النار والماء والهواء، وعلى القوى الغريبة التي يسيطر عليها السحر فتمسي قصص الجنيات حكايات تردد على مسامع الأطفال.

وهكذا وّلى عهد الاعتقاد بوجود "الأرواح" أو "النفوس" ولم نعد نقول بأن "الطبيعة تكره الفراغ" كلما صعد الزئبق في ميزان الطقس (البارومتر) كما لم نعد نقول بأن الأفيون ينوم لأن يملك "فضيلة التنويم" لأن الأطفال وحدهم هم الذين يثورون على الأشياء التي آذتهم كما لو كانت هذه الأشياء تملك ارادة شريرة تدفعها للأذى فإذا بهم أشبه بأولئك الذين يتملكهم الغيظ ضد "الحظ السيء" أو يستخدمون جوالب الحظوظ.

لقد أزال نيوتن من أرجاء الفضاء الملاك الحارس الذي كانت العناية الألهية قد أقامته على كل كوكب ليسيره في فلكه. كما قضى الفلاسفة الديكاريتون، من جانبهم، على الزعم القائل بأن للحيوانات "نفسا" فتساءل ديدرو ساخرا عما إذا كان العضو المبتور من الحيوان لا يزال مركز الحركات العضلية، لأنه يجب أن نتصور وجود "قطعة من النفس" في ذلك العضو لتفسير حركته.

ومع ذلك فانه إذا كانت الفكرة، القائلة بأن كل ظاهرة في الطبيعة تتطلب فعل روح خاص، غريبة عنا اليوم، فأن الفكرة القائلة بأن العالم في مجمله بحاجة، كي يوجد، لروح أسمى شامل لا تزال حتى اليوم حية في الأديان الموحدة .

يعترف التوحيد المسيحي مثلا بوجود الواقع المادي في العالم، ولكن هذا الواقع المادي حقيقة ثانوية مخلوقة. أما الكون الحقيقي والواقع النهائي العميق فهو الروح، والله روح صرف شامل. وهاك مثالا لما يسمى بالمثالية الموضوعية.

اتخذت هذه النظرة الفلسفية عدة صور وأشكال. إذ ليس الواقع المادي، في نظر أفلاطون، سوى انعكاس للعالم المثالي، عالم الأفكار، حيث يحلق الفكر الصرف الذي لا يحتاج للعالم المادي في وجوده. ولم يكن العالم في نظر السوفسطائيين سوى كائن حي هائل، تحييه نار الهية داخلية، أما هيجل فهو يعتقد أن الطبيعة وتطور المجتمعات الإنسانية ليس سوى الغلاف الخارجي والمظهر المرئي وتجسد الفكر المطلق الشامل الذي يوجد نفسه.

وهكذا نرى أن العالم في نظر جميع هذه الفلسفات مادي في ظاهره، أما سبب وجوده الحقيقي فهو في وجود الروح. وهذا الروح مستقل عن وعينا الإنساني الفردي ولهذا ضُمت هذه الفلسفات إلى النزعة المثالية الموضوعية.

ويمكن أن نشير أيضا إلى أن النزعة المثالية الموضوعية تؤدي غالبا، فيما يتعلق بالإنسان، إلى التمييز بين النفس والجسد فتصل النفس بالعالم الروحي وتصل الجسد بالعالم المادي. تلك هي حال النزعة المثالية المسيحية. وكذلك تسمى النظرية التي تجعل الإنسان مرتبطا بمبدأين النزعة الثنائية (dualisme). وتقوم النزعة الثنائية، في العلوم الإنسانية، على النزعة المثالية.

أ) لأنها تفسر الكائن الطبيعي بوجود "نفس" في داخل هذا للكائن.

ب) لأنها تعلق وجود هذه "النفس" على وجود روح أعلى، لأنها لو علقت وجود هذه النفس على وجود مبدأ مادي لما كانت ثنائية بل موحدة.

وهكذا نرى أن النزعة الملحدة الساذجة تنتمي للنزعة الثنائية. فهي تنكر وجود الله ولكنها لا تعتمد على نظرية مادية علمية. بل تتحدث عن "الروح الإنساني" و "الوعي الإنساني" كما لو كان هذا الروح مبدأ مستقلا بذاته، فهي بذلك مدينة للنزعة المثالية، وتلك هي حال فلاسفتنا الجامعيين علمانيين كانوا أم روحيين. ولهذا لا تجزع الكنيسة كثيرا من هؤلاء الملحدين المثاليين: أمثال مين دوبيران(Main de Biran) في عهد نابوليون وبرجسون (Bergson) وفرويد (Freud) أو كامو (Camus) في عهد الاستعمار. لأنها تعرف وتقول بحق أن هؤلاء الفلاسفة ليسوا سوى نعاج ضالة، وكثيرا ما نرى هذه النعاج، تعود إلى الحظيرة، في نهاية المطاف.

إذا كانت النزعة الموضوعية، في بعض العصور، قد أدت إلى وجود فلسفات كبرى ذات نواة عقلانية (Rationnel) كالفلسفة الاستعمارية في عصرنا حين تشعر البرجوازية في رمقها الأخير أنها بحاجة لتضليل الجماهير وإبعادها عن التفسير المادي للعالم بجميع الطرق والوسائل فان النزعة المثالية تمسي نزعة غير عقلية.
يفسر فرويد، مثلا، الإنسان وظواهر الحياة الاجتماعية بوجود قوة غير مادية في الإنسان تظهر في نوازعه الخفية يسميها "اللاوعي". وهكذا يتيح فرويد فرصة نادرة للمشعوذين لاستغلال السذج من الناس. ذلك الآن "اللاوعي" هو آخر صورة للاعتقاد بوجود القوى اللامادية في العالم.

ويقضي برجسون من جهته على مادية العالم. ذلك لأن مادية العالم بالنسبة إليه أنما هي ثمرة فعل خلاق. وهي في جوهر حياة. فكل مادة هي ثمرة "دفعة حيوية" هائلة تدفع بالعالم. والحياة نفسها ما هي في نظر برجسون؟ هي "الوعي" والفكر والروح. فهو يقول: "الوعي عامة ملازم لوجود الروح الشامل ".

الوعي هو مبدأ الحياة. وبدلا من أن تكون المادة هي الأساس الضروري لنمو الوعي، فأن الوعي، على العكس، هو الذي يفسر لنا نمو المادة حين يتجسد منها.

ذلك هو برجسون الفيلسوف "العبقري" المعاصر الذي جعلته البرجوازية المعاصرة من أعظم الفلاسفة، وتلك هي الفلسفة التي يدحض بها النزعة العلمية المغالية (Scientisme) محاولا التقليل من شأن العلم.

وتتابع النزعة المثالية هجومها في الميدان العلمي فإذا بنا نرى بعض العلماء المثاليين الأميركان يحاولون التدليل "علمياً" على خلق الكون، وعلى عمر الكون وعلى الزمن الذي استغرقه هذا الخلق، وأعادة بناء النظرية القديمة حول "موت العالم" الخ!

وإذا ما تنبهنا أخيرا إلى عودة "العلوم الغيبية" للظهور من جديد وتلك النزعة الروحانية (Spiritisme) التي شجعها برجسون وأنصار فرويد للحيلولة دون الجهلة والأغبياء والتفسير المادي للأمراض الاجتماعية التي يقاسونها، أدركنا بوضوح أهمية النظرية الماركسية حول مادية العالم.
                  
يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق