إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 2 أبريل 2014

20 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الدين -> المعبودات الدينية 2- المعبودات الدينية


20

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الدين -> المعبودات الدينية

2- المعبودات الدينية


الشمس - النجوم - الأرض - الجنس - الحيوان - الطوطمية - الانتقال

إلى مرحلة الآلهة البشرية - عبادة الأشباح - عبادة الأسلاف

لما كان لكل شيء روح، أو إله خفي، إذن فالمعبودات الدينية لا تقع تحت الحصر، وهي تقع في ستة أقسام: ما هو سماوي، وما هو ارضي، وما هو جنسي، وما هو حيواني، وما هو بشري، يوما هو إلهي؛ وبالطبع لن يتاح لنا قط أن نعلم أي الأشياء في هذا العالم الفسيح كان أول معبود للإنسان؛ وربما كان القمر بين المعبودات الأولى؛ فكما أننا اليوم نتحدث في أغانينا الشعبية عن "الرجل الذي يسكن القمر" كذلك صورت الأساطير الأولى القمر رجلا شجاعا أغوى النساء وسبب لهن الحيض مرة كلما ظهر؛ ولقد كان القمر إلها محببا للنساء، عَبدَنَه لأنه حاميهن بين الآلهة؛ وكذلك اتخذ القمر الشاحبُ مقياسا للزمن، فهو في ظنهم يهيمن على الجو، ويُنزل من السماء المطر والثلج، حتى الضفادع تضرع للقمر بالدعاء لينزل لها المطر.

ولسنا ندري متى حلت الشمس محل القمر سيدة على دولة السماء، عند الديانة البدائية؛ وربما حدث ذلك حين حلت الزراعة محل الصيد، فكان سير الشمس محدداً لفصول البذر وفصول الحصاد، وأدرك الإنسان أن حرارة الشمس هي العلة الرئيسية فيما تدره عليه الأرض من خيرات؛ عندئذ انقلبت الأرض في أعين البدائيين إلهة تخصبها الأشعة الحارة، وعبد الناس الشمس العظيمة لأنها بمثابة الوالد الذي نفخ الحياة في كل شيء حي ومن هذه البداية الساذجة هبطت عبادة الشمس إلى العقائد الوثنية عند الأقدمين ولم يكن كثير من الآلهة فيما بعد سوى تشخيص للشمس وتجسيدلها؛ ألم يَقضِ اليونان على أناكسجوراس بالنفي لأنه استباح لنفسه أن يذهب بالظن مذهبا مؤداه أن الشمس ليست إلها، بل هي كرة من النار تقرب في حجمها من"بلبونيز"؟ وكذلك استبقت العصور الوسطى بقية من عبادة الشمس في الهالات التي كان الناس يصورونها حول رءوس القديسين، وإمبراطور اليابان في أيامنا هذه معدود عند معظم شعبه بأنه تجسيد لإله الشمس، الحق أنك لا تكاد تجد خرافة من خرافات العصر القديم إلا ولها لون من الحياة القائمة بيننا اليوم؛ إن المدنية صنيعةُ أقلية من الناس أقاموا بناءها في أناة واستمدوا جوهرها من حياة الترف؛ أما سواد الناس وغمارهم فلا يكاد يتغير منهم شئ كلما مرت بهم ألف عام.

وكل نجم شأنه شأن الشمس والقمر، يحتوي إلهاً وهو بذاته إله، ويتحرك بأمر روح كامن في جوفه؛ وهذه الأرواح في ظل المسيحية أصبحت ملائكة تَهدي سواء السبيل، أو إن شئت فقل أصبحت لأفلاك السماء قادةً تسلك بها في مسالكها، حتى "كبلر" لم يبلغ من النظرة العلمية مبلغا يحمله على إنكارها؛ والسماء نفسها كانت إلهاً عظيما، تقام لها العبادة في تبتل لأنها هي التي تنزل الغيث أو تحبسه؛ وكثير من القبائل البدائية يستعمل كلمة "الله" لتعني "السماء" ولفظ الله عند "اللوباري" و "الدنكا" معناها المطر، وكذلك كانت السماءعند المنغوليين هي الإله الأعظم، وكذلك الحال في الصين، وفي الهند الفيدية أيضاً، معنى كلمة الله هو "السماء الوالدة"، والله عند اليونان هو زيوس أو السماء "مرغمة السحاب" وهو "أهورا" عند الفرس، أي السماء الزرقاء.
ولا نزال في أيامنا هذه نضرع إلى "السماء" أن تقينا الشرور، ومعظم الأساطير الأولى تدور حول محور واحد، وهو الخصب الذي نتج عن تزاوج الأرض والسماء.

لأن الأرض هي الأخرى كانت إلها، وكل مظهر رئيسي من مظاهرها كان يقوم على أمره إله؛ فللشجر أرواح كما لبني الإنسان سواء بسواء، وقطعُ الشجرة معناه قتل صريح؛ وكان الهنود في أمريكا الشمالية أحياناً يعزون هزيمتهم وانحلالهم إلى أن البيض قد قطعوا الأشجار التي كانت أرواحها تقي "الحُمرَ" من الأذى؛ وفي جزر "مولقا" كانوا يعتبرون الأشجار أيام الإزهار حوامل أجنة، فلا يجيزون إلى جوارها ارتفاع الصوت أو إشعال النار أو غير ذلك من عوامل الاضطراب حتى لا يفسدوا على الأشجار الحبليات سكونها، وإلا لجاز أن تسقط ثمارها قبل نضجها كما تجهض المرأة إن ألم بها الفزع، وكذلك في "أبوينا" Aboyna لا يؤذن بالأصوات العالية على مقربة من الأرز إذا ما أزهرت سنابله خشية أن يصيبه الإجهاض فينقلب أعواداً من القش العقيم و"الفال" القدماء عبدوا أشجار غابات معينة كانت لديهم مقدسة، وكذلك القساوسة "الدرديون" Druid في إنجلترا مجدوا دِبْقَ أشجار البلوط، الذي لا يزال يوحي إلينا بشعيرة من الشعائر المحببة إلى نفوسنا؛ وأقدم عقيدة دينية في آسيا- مما تستطيع أن تتعقبه إلى أصوله التاريخية- هي تقديس الأشجار وينابيع الماء والأنهار والجبال فكثير من الجبال كان أماكن مقدسة، اتخذتها الآلهة مقراً ترسل منه ما شاءت من صواعق؛ وأما الزلازل فليست سوى آلهة ضجروا أو ضاقوا صدراً فهزوا أكتافهم ويعلل أهل "فيجي" الزلازل بأن إله الأرض يتقلب في نومه؛ وإذا ما زلزلت

الأرض عند قبيلة "ساموا" أخذوا يقرضون الأرض بأسنانهم ويبتهلون إلى الإله "مافوِي" Mafuie أن يسكن خشية أن تتمزق الأرض كلها إرباً إرباً؛ والأرض عند الناس في شتى النواحي المعمورة تقريباً هي "الأم الكبرى" فاللغة الإنجليزية التي كثيراً ما تكون بمثابة الرواسب التي تجمعت فيها العقائد البدائية أو اللاشعورية، تشير حتى اليوم بصلة القربى بين المادة والأمومة (مادة معناها Matter والأم معناها Mother) وليس "إشترَ" و"سبيل" و"دميتر" و"سيريز" و"أفروديت" و"فينَس" و"فْرِييا" إلا صوراً متأخرة نسبياً لإلهات الأرض الأوليات اللائى خلعن من خصوبتهن خصوبة على الأرض فأخرجت من جوفها الخيرات؛ وما رواه الناس عن ولادة هؤلاء الإلهات وزواجهن وعن موتهن وعودتهن منتصرات إلى الحياة، إن هو إلا رموز أو تعليل لظهور النبات ثم جفافه، والتجديد الملحوظ الذي يطرأ على حياة النبات حيناً بعد حين؛ وهذه الإلهات تدلب أنوثتهن على أن الإنسان البدائي قد ربط بين الزراعة والمرأة؛ فلما أصبحت الزراعة هي الصورة السائدة في الحياة الإنسانية، كانت إلاهات النبات هي سيدة الإلاهات جميعاً؛ ومعظم الأرباب في العصر القديم كان من النساء، ثم حل محلهن الآلهة الذكور، حين ظهرت الأسرة الأبوية فوق الأرض ظافرة.

وكما يرى العقل البدائي فيما يقول من شعر عميق سراً إلهيا في نمو الشجرة، كذلك يرى يداً إلهية في حمل الجنين أو ولادته؛ إن "الهمجي" لا يعرف شيئاً عن البويضة والجرثومة المنوية، لكنه يرى الأعضاء الظاهرة أمام عينيه، التي تشترك معاً في هذه العملية فيؤلهها، فهي كذلك تكمن فيجوفها الأرواح ولا بد من عبادتها، أليست هذه القُوى الخلاقة العجيبة في سرها، أعجب الكائنات جميعاً؟ ففيها تظهر معجزة الخصوبة والنمو أوضح مما تظهر في تربة الأرض نفسها؛ وإذن فلا بد أن تكون اقرب ما تجسد فيه الآلهة قوتها، وتوشك الشعوب البدائية جميعاً أن تعبُدَ الجنس على صورة من الصور أو شعيرة من الشعائر؛ ولم يكن أدناها، بل أعلاها مدنية، هو الذي عبر عن هذه العبادة تعبيراً كاملا؛ وسنرى هذه العبادة في مصر والهند وبابل وآشور واليونان والرومان؛ كان الناس يجلون الوظيفة الجنسية والجانب الجنسي من آلهتهم البدائية إجلالا عظيما لا لأنهم يرون في ذلك شيئاً من الفاحشة بل لأنهم يرتبطون ارتباطاً وجدانياً بالخصوبة في المرأة وفي الأرض؛ ولذلك عبدوا بعض الحيوان كالعجل والثعبان لآن لهما- فيما يظهر- القوة الإلهية في الإنسال، أو قُل إنهما يرمزان لتلك القوة فلا شك أن الثعبان في قصة عدن رمز جنسي يمثل العلاقة الجنسية باعتبارها أساس الشر كله، ويوحي بأن اليقظة الجنسية هي بداية الخير والشر، وربما يشير كذلك إلى علاقة أصبحتم ضرب الأمثال بين سذاجة العقل ونعيم الفردوس .

وتكاد لا تجد حيواناً في الطبيعة كلها- من الجُعل )الجعران( المصري إلى الفيل عند الهندوس- لم يكن في بلد ما موضع عبادة باعتباره إلها: فهنود "أوجبوا" Ojibwa أطلقوا اسم "طوطم" على حيوانهم الخاص الذي يعبدونه، وعلى العشيرة التي تعبده، وعلى كل عضو من تلك العشيرة؛ ثم جاء علماء الأجناس البشرية فأخذوا هذه الكلمة وجعلوها اسما على مذهب "الطوطمة" الذي يدل دلالة غامضة على أية عبادة لشيء معين- وعادة يكون الشيء المعبود حيواناً أو نباتاً- تتخذه جماعة ما موضع عبادتها؛ ولقد وجدنا أنواعاً مختلفة من الطواطم في أصقاع من الأرض ليسبينها رابطة ظاهرة، من قبائل الهنود في شمالي أمريكا، إلى أهل أفريقيا وقبيلة "درافيد" Daraviians في الهند، وقبائل استراليا؛ ولقد أعان الطوطم باعتباره شعاراً دينياً. على توحيد القبيلة التي ظن أعضاؤها أنهم مرتبطون معاً برباطه، أو هبطوا جميعاً من سلالته؛ فقبيلة "إراكو" تعتقد- على نحو شبيه بما يذهب إليه دارون- أنهم سلالة التزاوج بين النساء وبين الدببة والذئاب والغزلان، وأصبح الطوطم- باعتباره شعاراً أو رمزاً- علامة مفيدة تدل على ما بين البدائيين من قُربى، وتميزهم بعضهم من بعض، ثم أخذ على مر الزمن يتطور في صور عَلمانية فكان منه التمائم والشارات، كهذا الذي تتخذه الأمم من شعارات لها كالأسد أو النسر، أو الأيل الذي تتخذه الجمعيات التي تعمل على الإخاء بين الناس، أو هذه الحيوانات الخرساء التي تصطنعها الأحزاب السياسية عندنا اليوم، لتمثيل رسوخ الفيلة أو صخب البغال؛ وكانت الحمامة والسمكة والحَمل، في رمزية العقيدة المسيحية إبان نشوئها، بقايا القديم في تمجيد الطواطم؛ بل إن الخنزير الوضيع كان يوماً طوطما لليهود السابقين للتاريخ؛ وفي معظم الحالات كان الطوطم محرماً لا يجوز لمسه؛ ويجوز أكله في بعض الظروف، على أن يكون ذلك من قبيل الشعائر الدينية، فهو بذلك يرمز إلىأكل الإنسان لله أكلا تعبديا ، وقبيلة "غالا" في الحبشة تأكل السمكة التي تعبدها في احتفال ديني رصين، ويقول أبناؤها: "إننا نشعر بالروح تتحرك فينا إذ نحن نأكلها"؛ وما كان أشد دهشة المبشرين الأطهار، إذ هم يبشرون بالإنجيل لقبيلة "غالا" أن وجدوا بين هؤلاء السذج شعيرة شديدة الشبه بالقُداس عند المسيحيين.

ويجوز أن قد كان الخوف أساس الطوطمة، كما هو أساس كثير من العبادات، وذلك بأن يكون الإنسان قد عَبَدَ الحيوان لقوته، فلم يَرَ بُدّاً من استرضائه، فلما أن طهر الصيدُ الغابة من وحشها، ومهد الطريق للطمأنينة تتوفر في الحياة الزراعية، قَلّت عبادة الحيوان ولو أنها لم تزُل تمام الزوال؛ وربما استمدت الآلهة البشرية الأولى طبعها من الآلهة الحيوانية البشرية لها بديلا؛ والانتقال من أولئك إلى هؤلاء واضح في القصص المشهورة التي تروى لنا تحول الصورة الإلهية، والتي تراها في"أوفد" الشاعر، وفي كل شاعر من قبيلة من تراهم في لغات الأرض جميعاً، فتصف لنا تلك القصص كيف كانت الآلهة، أو كيف صارت حيوانية الصورة، وبعدئذ ظلت صفات الحيوان لاحقة بالآلهة لا تبرحها، كما تظل رائحة الاصطبل لاحقة بمكانه حتى بعد تحويله قصراً ريفياً منفيا؛ حتى في "هومر" الذي كان قد بلغ من الرقي مبلغاً بعيداً، ترى الإلهة "جلوكوبس أثيني" لها عينا بومة، و "هيري بوبس" لها عينا بقرة؛ والآلهة أو الغيلان في مصر وبابل، بوجوهها الإنسانية وأجسادها الحيوانية تبين مرحلة الانتقال نفسها، وتعترف بالحقيقة عينها، وهي أن كثيراً من الآلهة البشرية كانت يوماً آلهة حيوانية.

ومع ذلك فمعظم الآلهة البشرية قد كانوا- فيما يظهر- عند البداية رجالا من الموتى ضخموا بفعل الخيال؛ فظهور الموتى في الأحلام كان وحده كافياً للتمكين من عبادتهم، لأن العبادة إن لمتكن وليدة الخوف، فهي على الأقل زميلته؛ وخصوصاً من كانوا أقوياء إبان حياتهم، فألقوا الخوف في نفوس الناس؛ هؤلاء يرجح جداً أن يُعبدوا بعد موتهم، ولذلك تجد الكلمة التي معناها "إله" عند كثير من الشعوب البدائية، معناها في الحقيقة "رجل ميت"؛ وحتى اليوم، ترى كلمة "Spirit" في الإنجليزية وكلمة "Geist" في الألمانية معناهما إما روح وإما شبح؛ وكان اليونان يتبركون بموتاهم على نحو ما يتبرك المسيحيون بالقديسين؛ ولقد بلغت العقيدة في استمرار حياة الموتى- وهي عقيدة تولدت في بدايتها من الأحلام- مبلغاً عظيما حتى جعل البدائيون أحياناً يرسلون الرسائل لموتاهم بمعنى الكلمة الحرفي الدقيق؛ ففي قبيلة من القبائل، إذا ما أراد الرئيس أن يبعث بخطاب لميت، أسمعه لعبدٍ ثم قطع رأس العبد ليؤدي الرسالة، فإذا نسى الرئيس شيئاً كان يريد ذكره في الخطاب، أرسل عبداً آخر بنفس الطريقة ليكون "حاشية" للخطاب الأول.

ثم تدرجت عبادة الأشباح حتى أصبحت عبادة للأسلاف؛ فقد بات الناس يخافون موتاهم جميعا ويعملون على استرضائهم خشية أن يُنزلوا لعناتهم على الأحياء فيجلبوا لهم الشقاء؛ وكأنما كانت هذه العبادة للأسلاف مهيأة على نحو يجعلها ملائمة لتدعيم المجتمع من حيث سلطانه ودوامه، وللتمكين من روح المحافظة على القديم والاحتفاظ بالنظام؛ حتى لقد شاعت شيوعاً سريعاً في كل أرجاء المعمورة فازدهرت في مصر واليونان وروما، ولا تزال قائمة ومستولية على النفوس بقوة في اليابان والصين الآن؛ وإن كثيراً من الشعوب ليعبدون أسلافهم دون أن يكون لديهم إله ؛ ولقد عمل هذا الاتجاه على ربط أواصر الأسرة ربطاً وثيقاً؛ على الرغم من كراهة الخلف لهذا النظام وكذلك كان لكثير من المجتمعات البدائية بمثابة إطار خفي ينتظم الأفراد في مجموعة متماسكة؛ وكما أن القهر أنهى إلى أن يكون ضميراً، فكذلك الخوف تطور حتى أصبح حُبّاً؛ فشعائر عبادة الناس لأسلافهم، التي يرجح أنها كانت وليدة الخوف في أول الأمر، قد أثارت في القلوب بعدئذ شعور الرهبة، ثم تطور أخيراً إلى ورع وتقوى؛ وكذلك ترى الاتجاه في الآلهة أن يبدءوا في صورة الغيلان المفترسة ثم ينتهون في صورة الآباء الذين يحبون أبناءهم؛ وهكذا يتحول الصنم المعبود على مر الزمن إلى مثل أعلى منشود، كلما عملت زيادة الاطمئنان والأمن والشعور الخلقي لدى العابدين على الحد من وحشية آلهتهم كما تصوروها أولا، وتحوير ملامحهم تحويراً يلائم الطور الجديد؛ إن البطء في سير المدنية ليتمثل في تأخر المرحلة التي أحس فيها الناس بحب آلهتهم.

إن فكرة إله بشري لم تظهر في مراحل التطور الطويلة إلا أخيراً؛ وقد برزت في صورة واضحة بعد اجتيازها لمراحل كثيرة أخرجتها من تصور الإنسان لمحيط خضم أو لحشد كبير من الأرواح والأشباح تحيط بكل شيء وتعمر كل شيء؛ ثم انتقل الإنسان من خوفه وعبادته لأرواح غامضة المعالم مبهمة الحدود، إلى تمجيد القوى السماوية والنباتية والجنسية، ثم إلى خشوعه للحيوان وعبادته للأسلاف، والأرجح أن تكون فكرة الإنسان عن الله بأنه "أب" قد تفرعت عن عبادة الأسلاف، لأن معناها في الأصل هو أن الناس قد هبطوا من الآلهة بأجسامهم، لا بأرواحهم فقط ولذا لا تجد في اللاهوت البدائي حداً فاصلا متميزاً من حيث النوع بين الآلهة والناس؛ فعند اليونان الأقدمين- مثلا- كان الأسلاف آلهة والآلهة أسلافا؛ وتلت ذلك خطوة أخرى في التطور، حين ميَّزَ الناس من بين هؤلاء الأسلاف الخليط رجال ونساء بعينهم، كان لهم امتياز خاص دون سائر الأسلاف، فأسبغوا عليهم لونا أوضح من الربوبية الصريحة؛ وبهذا أصبح أعلام الملوك آلهة حتى قبل موتهم أحياناً؛ لكننا إذا ما بلغنا من التطور هذه المرحلة فقد بلغنا المدنية التي دونها التاريخ.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

19 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الدين -> مصادر الدين 1- مصادر الدين


19

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الدين -> مصادر الدين

1- مصادر الدين

الخوف - الدهشة - الأحلام - النفس - الروحانية

الخوف- كما قال لوكريشس- أول أمهات الآلهة، وخصوصاً الخوف من الموت، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار، وقلما جاءتها المنيَّةُ عن طريق الشيخوخة الطبيعية، فقبل أن تدب الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل، كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الاعتداء العنيف أو بمرض غريب يفتك بها فتكا، ومن هنا لم يصدق الإنسان البدائي أن الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة، ففي أساطير سكان بريطانيا الجديدة الأصليين، جاء الموت نتيجة خطأ أخطأته الآلهة، فقد قال الإله الخير"كامبيناتا" إلى أخيه الأحمق"كورفوفا": "اهبط إلى الناس وقل لهم يسلخوا جلودهم حتى يتخلصوا من الموت، ثم أنبئ الثعابين أن موتها منذ اليوم أمر محتوم" فخلط "كورفوفا" بين شطري الرسالة بحيث بلغ سر الخلود للثعابين، وقضاء الموت للإنسان؛ وهكذا ظن كثير من القبائل أن الموت مرجعه إلى تقلص الجلد، وأن الإنسان يخلد لو استطاع أن يبدل بجلده جلداً آخر.

وتعاونت عدة عوامل على خلق العقيدة الدينية، فمنها الخوف من الموت، ومنه كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة أو الأحداث التي ليس في مقدور الإنسان فهمها، ومنها الأمل في معونة الآلهة والشكر على ما يصيب الإنسان من حظ سعيد، وكان أهم ما تعلقت بهدهشتهم وما استوقف أنظارهم بسره العجيب هما الجنس والأحلام، ثم الأثر الغريب الذي تحدثه أجرام السماء في الأرض والإنسان؛ لقد بهت الإنسان البدائي لهذه الأعاجيب التي يراها في نومه، وفزع فزعا شديداً حين شهد في رؤاه أشخاص أولئك الذين يعلم عنهم علم اليقين أنهم فارقوا الحياة؛ لقد دفن موتاه بيديه ليحول دون عودتهم؟ لقد دفن مع الموتى ألوان الطعام وسائر الحاجات حتى لا يعود الميت من جديد فيصبّ عليه لعنته، بل كان أحيانا يترك للميت الدار التي جاءه فيها الموت، وينتقل هو إلى دار أخرى، وفي بعض البلدان كان الإنسان البدائي يُخرج الجثة من الدار خلال ثقب في الحائط، لا من بابها، ثم يدور بها حول الدار ثلاث دورات سريعة، لكي تنسى الروح أين المدخل إلى تلك الدار فلا تعاودها أبدا.

مثل هذه الأحداث التي كانت تصادف الإنسان البدائي في حياته، أقنعته بأن كل كائن حي له نفَس أو حياة دفينة في جوفه، يمكن انفصالها عن الجسد إبان المرض والنوم والموت؛ جاء في كتاب من كتب "بوبانشاد" في الهند القديمة: "لا يوقظنَّ أحد نائماً إيقاظاً مفاجئاً عنيفاً؛ لأنه من أصعب الأمور علاجا أن تضل الروح فلا تعرف طريقها إلى جسدها" وليست الروح بقاصرة على الإنسان وحده، بل إن لكل شئ روحاً، والعالم الخارجي ليس مواتاً ولا خلواً من الإحساس، لكنه كائن حي دافق الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك- هكذا ظن الفلاسفة القدامى- لكان العالم مليئاً بالأحداث التي يستحيل تعليلها، مثل حركة الشمس، أو البرق الذي يصعق الأحياء، أو تهامس الشجر، وهكذا تصور الناس الأشياء والحوادث مشخصة قبل أن يتصوروها جوامد أو مجردة؛ وبعبارة أخرى سبقت الديانة الفلسفة؛ وهذه الروحانية في النظر إلى الأشياء هي ما في الدين من شعر، وما في الشعر من دين؛ وقد نشاهدها في أبسط صورها، في عيني الكلب الدهِشتَين إذ يرقب بهما ورقة حملته الريح أمامه، فربما ظن إزاءها أنلها روحا تحركها من باطنها، وهذا الشعور نفسه هو الذي تصادفه في أعلى درجاته عند الشاعر فيما ينظم من قصيد؛ ففي رأي الإنسان البدائي- وفي رأي الشعراء في كل العصور- أن الجبال والأنهار والصخور والأشجار والنجوم والشمس والقمر والسماء، كلها أشياء مقدسة لأنها العلامات الخارجية المرئية للنفوس الباطنية الخفية؛ وكذلك الحال مع اليونان الأقدمين إذ جعلوا السماء هي الإله "أورانوس"، والقمر هو الإله "سلين"، والأرض هي الإلهة "جى"، والبحر هو الإله "بوزيدن"، وأما الإله "بان" ففي كل أرجاء الغابات في وقت واحد؛ والغابات في رأي الجرمان الأقدمين كانت في أول أمرها عامرة بالجن والشياطين والسحرة والمَرَدة والأقزام وعرائس الجن وإنك لتلمس هذه الكائنات الجنية مبثوثة في موسيقى "فاجنر" وفي مسرحيات "إبسِن"الشعرية؛ والفلاح الساذج في إيرلندة لا يزال يؤمن بوجود الجنيات، ويستحيل أن يُعترف بشاعر أو كاتب مسرحي على أنه من رجال النهضة الأدبية هناك إلا إذا أدخل الجنيات في أدبه، وإن في هذه النظرة الروحانية لحكمةً وجمالاً، فمن الخير الذي يشرح الصدور أن تعامل الأشياء معاملتك للأحياء؛

والنفس الحساسة- كما يقول أرهف الكتاب المعاصرين حساسية- ترى كأنما:

"الطبيعة أخذت تتبدى في هيئة مجموعات كبرى من كائنات حية مستقل بعضها عن بعض؛ بعضها مرئي وبعضها خفي، لكنها جميعاً من طبيعة العقل، ثم هي جميعاً من طبيعة المادة، وهي كذلك جميعاً تمزج في أنفسها بين العقل والمادة فتكون بذلك سر الوجود العميق... إن العالم ملئ بالآلهة! فمن كل كوكب ومن كل صخرة ينبثق وجود يثيرنا بنوع من الإحساس الذي ندرك به كثرة ما هنالك من قوى شبيهة بقوى الآلهة، فمنها القوي ومنها الضعيف، ومنها الجليل ومنها الضئيل، تتحرك كلها بين السماء والأرض لتحقق غاياتها التي كتمتها في أجوافها سراً".


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

18 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الدين -> مقدمة الفصل الرابع الدين الملاحدة البدائيون


18

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الدين -> مقدمة

الفصل الرابع

الدين

الملاحدة البدائيون


إذا عرفنا الدين بأنه عبادة القوى الكائنة فوق الطبيعة. فلابد لنا منذ البداية أن نلاحظ أن بعض الشعوب- فيما يبدو- ليس لهم ديانة على الإطلاق فبعض قبائل الأقزام في أفريقيا لم يكن لهم عقيدة أو شعائر دينية يقيمونها بحيث يراها المشاهدون؛ ولم يكن لهم طوطم ولا أصنام ولا آلهة؛ وكانوا يدفنون موتاهم بغير احتفال، فإذا ما فرغوا من دفنهم لم يبدُ عليهم ما يدل على إنهم يهتمون لأمرهم بعد ذلك إطلاقاً، بل أعوزتهم حتى الخرافة، ذلك لو أخذنا بأقوال الرحالة فلم نظن بأقوالهم الإسراف الذي يعز على التصديق؛ وأما أقزام "الكامرون" فلم يعترفوا إلا بآلهة الشر وحدها، ولم يحاولوا قط إرضاء هؤلاء الآلهة على أساس أن المحاولة في هذه السبيل عبث لا يجدي؛ وقبيلة "في ذا" في سيلان اعترفت باحتمال وجود الآلهة وخلود الروح، لكنهم لم يجاوزوا ذلك الحد بحيث يؤدون الصلاة أو يقدمون القرابين؛ وسأل أحدهم سائلٌ عن الله فأجاب في حيرة فيلسوف حديث: "أيكون على صخرة أم على تل من تلال النمل الأبيض أم على شجرة؟ إني لم أر قط إلهاً!"؛ وهنود أمريكا الشمالية تصوروا إلها لكنهم لم يعبدوه، وظنوا- كما ظن أبيقور- أنه أبعد من أن يعنى بأمورهم، وقال هندي من قبيلة "أبيبون" ما عساه أن يحير عالماً من علماء الميتافيزيقا، إذ قال في لهجة كونفوشية "إن آباءنا وأجدادنا كانت تغنيهم هذه الأرض وحدها، لا يرجون شيئاً سوى أن يُنبت لهم السهل كلأ ويفجر لهم ماء لتَطعمَ جيادُهم وتشرب؛ إنهم لم يشغلوا أنفسهم أبداً بما يجري في السماء، وبمن ذا عسى أن يكون خالق النجوم وحاكمها"، ولما كان الإسكيمو يُسألون من ذا صنع السماوات والأرض، كانوا يجيبون دائماً بقولهم "لسنا ندري"، وسئل رجل من "الزولو": "إذا رأيت الشمس تشرق وتغيب، وإذا رأيت الشجر ينمو، فهل تعرف من خالقها ومن حاكمها؟" أجاب في بساطة بقوله "كلا، فنحن نراها، لكننا لا نستطيع أن نعلم أنىّ جاءت، ويظهر أنها جاءت من تلقاء أنفسها".

على أن هذه حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليما؛ وهذه، في رأي الفيلسوف، حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية، فهو لا يكفيه أن يعلم عن الديانات كلها أنها مليئة باللغو الباطل، لأنه معنى قبل ذلك بالمشكلة في ذاتها، أعني مشكلة العقيدة الدينية من حيث قِدمَ ظهورها ودوام وجودها، فما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شئ من صدر الإنسان؟.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الأخلاق الاجتماعية الفصل الثالث الأخلاق الاجتماعية


17

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الأخلاق الاجتماعية

الفصل الثالث

الأخلاق الاجتماعية


طبيعة الفضيلة والرذيلة - الجشع - الخيانة - العنف - القتل - الانتحار - انخراط

الفرد في جماعة - الإيثار - الكرم - أوضاع السلوك - تحديد القبيلة

للأخلاق - الأخلاق البدائية بالقياس إلى الأخلاق الحديثة - الدين والأخلاق


من بين واجبات الوالدين أن ينقلوا إلى الأبناء تشريع الأخلاق، لأن الطفل أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان؛ وإنه ليتلقى إنسانيته شيئاً فشيئاً كلما تلقى جانباً من التراث الخلقي والعقلي الذي خلفه له الأسلاف؛ والطفل من الوجهة البيولوجية سيئ الإعداد للمدنية، لأن غرائزه تهيئه للمواقف الرئيسية والتقليدية ولا تشتمل إلا على الاستجابة للمثيرات التي توافق الغابة أكثر من موافقتها للمدنية؛ كل رذيلة كانت يوماً ما فضيلة ضرورية في تنازع البقاء، ولم نسمها رذيلة إلا لأنها تلكأت في وجودها بعد زوال الظروف التي كانت تستلزم وجودها- فليست الرذيلة- إذن- ضربا من السلوك الراقي، بل هي في العادة ارتداد بالإنسان إلى سلوكه القديم الذي حل مكانه سلوك جديد؛ فمن الغايات التي ينشد تحقيقها التشريع الخلقي أن يوائم نزوات الطبيعة البشرية التي لم تتغير- أو التي تتغير ببطء- مع حاجات الحياة الاجتماعية وظروفها المتغيرة.

لبث الجشع وحب التملك والخيانة والقسوة والعنف أمورا نافعة للحيوان وللإنسان مدى أجيال بلغت في طولها حداً تعذر معه على كل ما لدينا من قوانين وتربية وأخلاق ودين أن تزيلها إزالة تامة؛ ولا شك أن لبعضها- حتى في يومنا هذا- قيمة في حفظ البقاء، فالحيوان يتخم نفسه طعاماً لأنه لا يعلم متى عساه أن يجد القوت مرة أخرى، وهذا الارتياب في ظروف المستقبل هو منشأ الجشع؛ فالرجل من قبيلة "ياقوت" يأكل أربعين رطلا من اللحم في يوم واحد وكذلك تروا قصص كهذه- وأن تكن أقل منها بطولة - عن الإسكيمو والسكان الأصليين في استراليا، وأن الاطمئنان الاقتصادي الذي هو من نتائج المدنية لمن حداثة العهد بحيث يتعذر عليه أن يزيل هذا الجشع الطبيعي في الإنسان، الذي لا يزال يظهر في حب التملك الذي لا يشبع، حتى لتراه يدفع الرجل الحديث أو المرأة الحديثة إذ هما في قلق من الحياة، أن يَخزُنا الذهب أو غيره من السلع التي يمكن تحويلها إلى طعام إذا ما طرأ طارئ مفاجئ؛ وليس الجشع للشراب كالجشع للطعام لأن معظم الجماعات الإنسانية قد احتشدت حول ينابيع الماء؛ ومع ذلك فشراب المسكرات يوشك أن يعم الإنسان جميعاً، وهم لا يطلبونه عن جشع بقدر ما يطلبونه ليدفئوا في أنفسهم برودة يحسونها، أو ليمحوا من ذاكرتهم هما يشقيهم- وقد يطلبونه لمجرد أن ما تحت أيديهم من الماء لا يصلح شراباً.

والخيانة ليست عريقة القدم كالجشع، ذلك لأن الجوع أسبق إلى الوجود من الملكية؛ ولعل"الهمج" البدائيين في أبسط صورهم أكثر الناس أمانة "فالكلمة يقولونها مقدسة" كما يقول "كولبن" Kolben عن قبيلة الهوتنتوت "وهم لا يصطنعون شيئاً مما تعرفه أوروبا من وسائل الفساد والخيانة"؛ لكن هذه الأمانة الساذجة زالت بتقدم وسائل المواصلات التي ربطت أجزاء الأرض بعضها ببعض، لأن وسائل أوروبا استطاعت بعدئذ أن تعلم هذا الفن الدقيق للهوتنتوت؛ فالخيانة بصفة عامة تنشأ مع المدنية؛ لأنه في ظل المدنية يزداد المجال الذي يتطلب دهاء السياسة أتساعاً، إذ تزداد الأشياء التي تغري الإنسان بالسرقة، وتربيتنا لأبنائنا تنشئهم على المهارة في ذلك؛ فإذا ما تقدمت الملكية بين البدائيين جاءهم في أثرها الكذب والسرقة.

وأما جرائم الافتئات والاعتداء فهي قديمة قدم الجشع؛ فتقاتل الناس على الطعام والأرض والمرأة قد روى الأرض بدماء البشر، ولم ينج من ذلك جيل واحد من الأجيال وغشى نور المدنية الواهن المتقطع ببطانة من ظلام؛ كان الإنسان البدائي قاسياً إذ كان حتماً عليه أن يكون كذلك؛ فقد علمته الحياة أن تكون ذراعه على استعداد للضرب دائماً، وأن يكون له قلب يستسيغ " القتل الطبيعي " وأسْوَدُ الصحائف التي تصادفكَ وأنت تقرأ علم الأجناس البشرية، هي تلك التي تروي لك عن التعذيب الذي يسود الحياة البدائية، وعن الفرح الذي ينتشي به كثير من البدائيين رجالا ونساء - فيما يظهر - إذا ما أنزلوا بأحد ألما، وكثير من هذه القسوة كان من لوازم الحرب، ففي حدود القبيلة الواحدة، تجد أساليب التعامل أقل وحشية، فيعامل بعضهم بعضا - بل يعاملون عبيدهم - برقة لا تقل في شيء عما تعهده المدنية في ذلك لكن لما كان الناس مضطرين اضطراراً أن يقتلوا أبان القتال، فقد علمهم هذا أن يقتلوا كذلك أيام السلم؛ وكممن البدائيين لا يرون وسيلة لفظ النزاع إلا إن مات أحد المتنازعين؛ وكثير من القبائل لا يرتاع أبناؤها إذا أغتال إنسان إنساناً - حتى إن كان القتيل من أبناء العشيرة نفسها - بمثل الجزع الذيكنا نحن المحدثين نقابله به؛ فأهل "فويجي" Fuegians لا يعاقبون القاتل بأكثر من نفيه حتى ينسى زملاؤه جريمته؛ وقبائل الكفير تعد القاتل نجساً، ويطالبونه بتسويد وجهه بالفحم، ولكنه بعدئذ أن غسل جسده ومضمض فمه وصبغ جلده بلون بني قبلوه في الجماعة من جديد، وأما همج "فوتونا" Futuna فهم - مثلنا - يعدون القاتل بطلا؛ وفي بعض القبائل ترفض المرأة أن تتزوج من رجل لم يقتل أحدا في قتال، سواء في ذلك أكان القتال سليم الأساس أم فاسدة؛ ومن هنا نشأت عادة اصطياد الرءوس التي لا تزال باقية في الفلبين حتى اليوم؛ وعند قبيلة "دياك" Dyak يكون للرجل الذي يعود من مثل هذا الصيد البشري بأكبر عدد من الرءوس،

أن يختار من يشاء من بنات القرية، والبنات يشتهينه زوجا لأنهن يدركن أنهن قد يصبحن - بلقاء مثل هذا الزوج - أمهات لرجال شجعان أقوياء .

حيث يغلو الطعام ترخص الحياة، فأبناء الإسكيمو لا مندوحة لهم عن قتل والديهم إذا ما أصبح هؤلاء من الشيخوخة بحيث لا يقوون على شيء، ولا يصلحون لشيء فالامتناع عن قتلهم في مثل هذه الحالات يعتبر مجافاة لواجب البنوة، وحياة الرجل البدائي رخيصة على نفسه لأنه يقتل نفسه في اندفاع لا ينافسه فيه إلا اليابانيون؛ وإذا ما أسئ إلى شخص فأنتحر أو أنزل بنفسه الأذى، فالمسيء لا بد أن يجري مجراه في ذلك وإلا عُدَّ منبوذاً من المجتمع، وما أقدم الانتحار تخلصا من الدنس والعار؛ وكل شيء قد يكفي سبباً للانتحار، فقد أنتحر بعض الهنديات من شمالي أمريكا لأن أزواجهن قد استباحوا لأنفسهم لومهن، وأنتحر شاب من جزيرة "تروبرياند" لأن زوجته دخنت كل ما كان لديه من تبغ.

وأخذت المدنية على نفسها فيما أخذت أن تحول الجشع عند الإنسان إلى اقتصاد، والاعتداء إلى حجاج، والاغتيال إلى مقاضاة، والانتحار إلى فلسفة؛ وما كان أعظمه من تقدم للإنسان حين رضى القوي أن يأكل الضعيف بوساطة القانون؛ وأن الجماعة لتفنى إذا ما سمحت لأبنائها أن يقف بعضهم من بعض نفس الموقف الذي يشجعهم أن يقفوه جماعةً إزاء غيرها من الجماعات، فالتعاون الداخلي هو أول قانون للتنافس الخارجي، وتنازع البقاء لا ينتهي بتعاون الأفراد بعضهم مع بعض، إنما هو ينتقل إلى الجماعة بعد أن كان للفرد، ولو تساوت الظروف في جماعتين إلا في أن إحداهما يستطيع أعضاؤها من أسر وأفراد أن يتحد بعضهم مع بعض، فهي التي تستطيع أن تسبق الأخرى في ميدان التنافس سبقا يتناسب مقداره. مع مقدار ما بداخلها من تعاون؛ ومن هنا كان لكل جماعة تشريع أخلاقي تلقنه لأفرادها، وتبني لهم في أفئدتهم ميولا اجتماعية تقلل من الحرب الطبيعية التي هي من شأن الأحياء، وإنما تفعل الجماعة ذلك لأن هؤلاء الأفراد هم حلفاؤها وأركانها المستورة؛ وهي تؤيد طائفة من الخصال أو العادات في الفرد من شأنها أن تعود بالنفع على الجماعة، ولذا تسميها فضائل؛ كما تنفر النفوس من أضدادها بأن تسميها رذائل؛ وبهذه الطريقة ينخرط الفرد - في ظاهرة إلى حد ما - في سلك الجماعة، والحيوان فيه يصبح مواطنا.

لم يكن - أو كاد ألا يكون - توليد العواطف الاجتماعية في نفس "الهمجي" بأصعب من إثارة هذه العواطف اليوم في قلب الإنسان الحديث، فلئن كان تنازع الحياة قد شجع على قيام الشيوعية، فقد عزز تنازع الملك الشعور بالفردية؛ وربما كان الإنسان البدائي أسرع من الإنسان المعاصر استعداداً للتعاون مع زملائه فقد كان أيسر عليه من الإنسان المعاصر أن يتماسك اجتماعياً مع زملائه لأن الأخطار والمصالح التي كانت تربط بالجماعة كانت أقوى منها الآن، كما كانت أملاكه أقل من أن تجعله يتفَّرد بمصالح من دون زملائه؛ لقد كان الإنسان البدائي عنيفاً جشعاً، لكنه كان كذلك رحيما كريما، مستعداً لاقتسام ما معه حتى مع الغرباء، ولتقديم الهدايا لأضيافه فكل قارئ يعرف كرم البدائيين كيف كان يدفعهم في قبائل كثيرة إلى حد تقديم زوجة المضيف أو ابنته إلى نزيل بيته، ورفض مثل هذه التحية أثناء الضيافة يعتبر عندهم إيذاء شديدا لشعورهم: لشعور المضيف وشعور المرأة في آن معاً، وإن ذلك لمن المشكلات التي يصادفها المبشرون؛ والمعاملة التي يعامل بها الضيف إبان إقامته تتوقف على الطريقة التي عالج بها أمثال هذه التبعات في أول قدومه؛ ويظهر أن الإنسان البدائي قد كان يشعر نحو امرأته شعور الغيرة على ملكه لا شعور الغيرة الجنسية، فلا يسيء إليه أن تكون زوجته قد "عرفت" رجالا غيره قبل زواجها منه، ولا يؤذيه أنها الآن تضاجع ضيفه، لكنه يثور بالغضب - باعتباره مالكا لا باعتباره عاشقاً - إذا ما رآها تضاجع رجلا بغير استئذانه؛ وبعض الأزواج في أفريقيا يعيرون زوجاتهم إلى الغرباء لتسهيل أمور لهم عند هؤلاء.

إن قواعد المجاملة كانت من التعقد لدى معظم الشعوب الساذجة بمثل ما عليه لدى الأمم الراقية فكل جماعة لها طرائقها الرسمية في الاستقبال والتوديع، فإذا ما التقى شخصان فقدي تحاكان بالأنوف أو يتشمم أحدهما الآخر، أو يضرب كل منهما زميله ضرباً رقيقا ولكن هؤلاء الناس - كما أسلفنا - يستحيل أن يقبل أحد منهم أحداً؛ وبعض القبائل الغليظة كانت أحسن أدبا من متوسط الإنسان الحديث، فصيادو الرءوس البشرية من قبيلة " دياك " يقال عنهم أنهم"وديعون مسالمون" في حياتهم المنزلية، وهنود أمريكا الوسطى يعتبرون حديث الرجل الأبيض بصوت عال وسلوكه الغليظ من علامات سوء تربيته وثقافته البدائية.

إن كل الجماعات البشرية تقريبا تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها؛ فالهنود الأمريكيون يعدون أنفسهم شعب الله المختار، خلقه "الروح الأعظم" خاصة ليكون مثالا يرتفع إليه البشر، وقبيلة من القبائل الهندية تطلق على نفسها "الناس الذين لا ناس سواهم" وأخرى تطلق على نفسها "الناس بين الناس" وقال "الكاربيون" "نحن وحدنا الناس"، وكان الإسكيمو يعتقدون أن الأوربيين إنما ارتحلوا إلى جرينلندة لينقلوا عنهم طرائق العيش الصحيحة والفضائل ونتيجة ذلك أن الإنسان البدائي لم يكن يدور في خلده أن يعامل القبائل الأخرى ملتزما نفس القيود الخلقية التي يلتزمها في معاملته لبني قبيلته، فهو صراحة يرى أن وظيفة الأخلاق هي تقوية جماعته وشد أزرها تجاه سائر الجماعات، فالأوامر الخلقية والمحرمات لا تنطبق إلا على أهل قبيلته، أما الآخرون فما لم يكونوا ضيوفه، فمباح له أن يذهب في معاداتهم إلى الحد المستطاع.

ليس التقدم الخلقي في التاريخ متمثلا في تحسن التشريع الخلقي بمقدار ما هو متمثل في توسيع الدائرة التي يطبق فيها، فأخلاق الإنسان الحديث ليست بالضرورة أسمى من أخلاق البدائي، ولو أن التشريعيين الخلقيين قد يختلفان فيما بينهما اختلافا بيناً من حيث المضمون والتنفيذ والأداء، لكن الأخلاق الحديثة في الأيام العادية تتسع نطاقا بحيث تشمل عدداً أكبر من الناس عن ذي قبل- ولو أن هذا التوسع قد أخذ يقل تدريجيا ذلك أنه لما جعلت القبائل تحتشد في وحدات أكبر تسمى دولاً، فاضت قواعد الأخلاق عن حدود القبيلة؛ ثم لما اتصلت الدول بوسائل المواصلات أو بالخطر المشترك، تسللت الأخلاق من دولة إلى دولة خلال الحدود، وطفقَ فريق من الناس يطبق قواعده الخلقية على الأوروبيين جميعا، ثم على الجنس الأبيض كله، ثم أخيراً على البشر أجمعين، وربما لم يخل عصر من العصور من أصحاب المثل العليا الذين تمنوا أن يحبوا الناس جميعا حبهم لجيرانهم، وربما كانت أصواتهم دائما صيحات في واد بلقع من قوميات وحروب؛ لكن عدد هؤلاء الناس أو حتى نسبتهم العددية إلى غيرهم، قد زادت اليوم على الأرجح، ولئن خلت السياسة من الأخلاق، فهنالك أخلاق في التجارة الدولية لسبب بسيط هو أن هذه التجارة يستحيل قيامها بغير شيء من القيود والقانون والثقة، فإن بدأت التجارة في القرصنة، فقد صعدت إلى قمة الأخلاق.

ذلك لأن الجماعات الإنسانية قد ارتضت أن تقيم تشريعاتها الخلقية على أساس من المنفعة الاقتصادية والسياسية الصريحة، إذ الفرد لم تهيئه طبيعته بميول التي تميل به نحو إخضاع مصالحه الشخصية لمصالح المجتمع، أو نحو طاعة القوانين المحرجة للصدور إذا لم يكن ثمة من الوسائل المنظورة ما يفرضها عليه بالقوة؛ فلكي تقيم المجتمعات على الأفراد حارساً غير منظور، ولكي تقوي فيهم الدوافع الاجتماعية ضد الدوافع الفردية بما تثيره فيهم من آمال قوية ومخاوف قوية، فإنها استخدمت الديانة وإن لم تخترعها، ولقد عبر الجغرافي القديم "سترابو" عن أكثر الآراء تقدماً في هذا الموضوع منذ تسعة عشر قرنا فقال:

إنك في معاملتك لحشد من النساء، على أقل تقدير، أو معاملتك لأية مجموعة من الناس اجتمعت كما اتفق، لا تستطيع بالفلسفة أن تؤثر فيهم، أنك لا تستطيع أن تؤثر فيهم بالعقل أو أن تقنعهم إقناعا بضرورة الوقار والورع والأيمان كلا، بل لا بد لهم من الخوف الديني أيضاً. ولا يمكن إثارة هذا الخوف في نفوسهم بغير الأساطير والأعاجيب؛ فالصواعق والدروع والصولجانات والمشاعل ورماح الآلهة، كل هذه الأساطير، وكذلك منها اللاهوت القديم من أوله إلى آخره؛ لكن مؤسسي الدول حرصوا على هذه الأشياء باعتبارها عفاريت يُفزعون بها السُّذج من الناس؛ ولما كانت هذه طبيعة الأساطير )الميثولوجيا( ثم لما احتلت الأساطير مكانتها في إطار الحياة المدنية والاجتماعية كما احتلت مكانتها كذلك في تاريخ الوقائع الملموسة، فقد تمسك القدماء بنظمهم في تربية أطفالهم وطبقوها حتى سن النضوج، وآمنوا بأنهم يستطيعون بوساطة الشعر أن يهذبوا أية فترة من فترات الحياة عند الناشئ؛ أما اليوم، وبعد أن مرَ هذا الزمن الطويل، أصبح التاريخ وأصبحت الفلسفة في مقدمة ما يربى به النشء؛ مع أن الفلسفة لا تصلح إلا للقليل، بينما الشعر أصلح منها للشعب بصفة عامة".

إذن فسرعان ما تسبغ العقيدة الدينية على الأخلاق لونا من التقديس، لأن ما هو فوق الطبيعة يضيف أهمية يستحيل أن تكتسبها من تلقاء نفسها الأشياء التي نعرفها بالتجربة الحسية والتي نفهما بردها إلى أصولها، فالخيال أيسر وسيلة من العلم في حكم الناس؛ ولكن هل كانت هذه الفائدة الخلقية هي أصل العقيدة الدينية وأساسها؟



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





16 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> أخلاق الجنس الفصل الثاني أخلاق الجنس


16

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> أخلاق الجنس

الفصل الثاني

أخلاق الجنس


العلاقات قبل الزواج - الدعارة - العفة - البكارة - المعيار

المزدوج - الخفر - نسبية الأخلاق - الدور الذي يلعبه الخفر من الوجهة

البيولوجية - الزنا - الطلاق - الإجهاض - وأد الأطفال -الطفولة - الفرد


إن أهم مهمة تقوم بها الأخلاق هي دائماً تنظيم العلاقة الجنسية؛ لأن الغريزة التناسلية تخلق مشكلات قبل الزواج وبعد الزواج وإبَّان الزواج، وهي تهدد في كل لحظة بإحداث الاضطراب في النظام الاجتماعي لإلحاحها وشدتها وازدرائها للقانون وانحرافاتها عن جادة الطبيعة؛ وأولى مشكلاتها تقع قبل الزواج، أتكون العلاقات الجنسية عندئذ مقيدة أم طليقة؟ وليست الحياة الجنسية بالطليقة من كل قيد حتى في عالم الحيوان؛ فرفض الأنثى للذكر، إلا في فترات التهيج، يحصر الحياة الجنسية عند الحيوان في دائرة أضيق جداً من مثيلتها عند الإنسان ذي الشهوة العارمة، فالإنسان يختلف عن الحيوان- كما يقول بومارشيه Beaumarchias- في أنه يأكل بغير جوع، ويشرب بغير ظمأ، ويتصل بالجنس الآخر في كل فصول السنة؛ وأنك لتجد بين الشعوب البدائية ما يشبه قيود الحيوان أو ما يضادها، في تحريم الاتصال بالنساء في أيام حيضهن،َ ولو استثنيت هذا القيد العام وجدت الاتصال الجنسي قبل الزواج طليقاً إلى حد كبير في الجماعات البدائية الأولى؛ فعند هنود أمريكا الشمالية، يتصل الشبان بالشابات اتصالا حراً دون أن يكون ذلك عائقاً للزواج، وكذلك عند قبيلة بابوا في غينا الجديدة تبدأ الحياة الجنسية في سن مبكرة جداً والقاعدة قبل الزواج هي الشيوعية الجنسية وكذلك توجد مثل هذه الحرية قبل الزواج في قبيلة "السويوت" Soyots في سيبريا، و"إيجوروت" Igorots في الفلبين، وأهالي بورما العليا، والكفير والبوشمن في أفريقيا؛ وقبائل نيجريا ويوغندا وجورجيا الجديدة وجزائر مرى وجزائر أندمان وتاهيتي وبولينزيا وأسام وغيرها.

في مثل هذه الظروف لا يُنتظر أن نجد عُهراً كثيراً في المجتمع البدائي، فهذه المهنة التي هي "أقدم المهن" حديثة نسبياً لأنها لم تنشأ إلا مع المدنية مع ظهور الملكية واختفاء الحرية الجنسية قبل الزواج؛ نعم لقد تجد هنا وهناك فتيات يبعنَ أنفسهنَ حيناً ليجمعنَ مهورهنَ أو ليحصلن مبلغاً يقدمنه إلى المعابد، لكن ذلك لا يحدث إلا إذا كان التشريع الخلقي في الإقليم يوافق عليه باعتباره تضحية تعبدية لمساعدة أبوين مقتصدين أو لإشباع آلهة جائعة.

وأما العفة فهي الأخرى مرحلة جاءت متأخرة في سير التقدم، فالذي كانت تخشاه العذراء البدائية لم يكن فقدان بكارتها، بل أن يشيع عنها أنها عقيم، فالمرأة إذا ما حملت قبل زواجها كان ذلك في معظم الحالات معيناً لها على الزواج أكثر منه عائقاً لها في هذا السبيل، لأن ذلك الحمل يقضي على كل شك في عقمها، ويبشر بأطفال يكسبون لوالدهم المال، بل إن الجماعات البدائية التي قامت قبل ظهور الملكية، كانت تنظر إلى بكارة الفتاة نظرة ازدراء لأن معناها عدم إقبال الرجال عليها؛ حتى كان العريس من قبيلة "كامشادال" Kamshadal إذا ما وجد عروسه بكراً ثارت ثورته و "طفق يسب أمها سباً صريحاً لهذه الطريقة المهملة التي قدمت بها ابنتها إليه"، وفي حالات كثيرة كانت البكارة حائلا دون الزواج، لأنها تلقي على الزوج عبئاً ثقيلا على النفس، وهو أن يخالف أمر التحريم الذي يقضي عليه بألا يريق دم أحد من أعضاء قبيلته، فكان يحدث أحيانا أن تُسلم البنات أنفسهن لغريب عن القبيلة ليزيل عنهن هذا العائق الذي يحول بينهن وبين الزواج، ففي التبت تبحث الأمهات في جدٍ عن رجال يفضون بكارة بناتهن، وفي "ملبار" ترى الفتيات أنفسهن يرجون المارة في الطريق أن يؤدوا لهن هذه المكرمة "لأنهن ما دمن أبكاراً فهن لا يستطعن الزواج"، وعند بعض القبائل تضطر العروس أن تُسَلّم نفسها لأضياف العرس قبل دخولها إلى زوجها، وعند بعضها يستأجر العريس رجلاً ليفض له بكارة عروسه، وقبائل أخرى في الفليبين يقوم موظف خاص يتقاضى راتبا ضخما تكون مهمته أن يؤدي هذا العمل نيابة عمن اعتزموا الزواج من الرجال.

فما الذي غيَّر النظر إلى البكارة بحيث جعلها فضيلة بعد أن كانت خطيئة؟ فجعلها بذلك عنصراً من عناصر التشريعات الخلقية في كل المدنيات العالية؟ لا شك أنها الملكية، حين قام بين لناس نظامها، هي التي أدت إلى هذا التحول؛ فالعفة الجنسية بالنسبة إلى البنات قبل الزواج جاءت امتداداً للشعور بالملك الذي أحسَّه الرجل إزاء زوجته بعد أن أصبحت الأسرة أبوية يرأسها الزوج، وازدادت قيمة البكارة لأن العروس في ظل نظام الزواج كانت تشترى بثمن أغلى إن كانت بكراً من ثمن أختها التي ضعفت إرادتها، إذ البكرُ يُبشّر ماضيها بالأمانة الزوجية التي أصبحت عندئذ ذات قيمة كبرى في أعين الرجال الذين كان يؤرقهم الهم خشية أن يورثوا أملاكهم إلى أبناء السفاح.

وأما الرجال فلم يدر في خواطرهم قط أن يقيدوا أنفسهم بمثل هذا القيد، ولست تجد جماعة في التاريخ كله قد أصَرت على عفة الذكر قبل الزواج، بل لست تجد في أية لغة من اللغات كلمة معناها الرجل البكر.

بهذا قضى على البنات وحدهن أن يعانين الخوف على بكارتهن، فأثر فيهن هذا الوضع على صور شتى؛ فقبيلة "توارج" تعاقب البنت أو الأخت التي حادت عن الجادة بالموت، وزنوج النوبة و الحبشة والصومال وغيرها يضعون على أعضاء التناسل للبنات حلقات أو أقفالا تمنع أداء العملية الجنسية، ولا يزال شيء كهذا قائما إلى يومنا هذا في بورما وسيلان؛ كذلك نشأت ضروب من عزل البنات عزلاً لا يتيح لهن أن يُغرين الرجال أو يجيهن الإغراء من الرجال؛ والآباء الأغنياء في بريطانيا الجديدة يحجزون بناتهم خلال الخمس السنوات الخطرة في أكواخ يقيمون عليها حارسات من العجائز الفضليات، فلا يسمح للبنات بالخروج أبداً ثم لا يؤذن لأحد برؤيتهن إلا الأقارب؛ وليس بين هذه التصرفات كلها، وبين "البُردة" التي تلبسها المسلمات والهندوس إلا خطوة واحدة، وإن هذه الحقيقة لتذكرنا مرة أخرى بقرب المسافة بين "المدنية" و "الهمجية".

وجاء الخَفرَ مصاحباً للبكارة ولسيطرة الوالد على أسرته؛ فهنالك قبائل إلى يومنا هذا لا يأخذها الحياء من ترك أجسادها عارية، لا بل إن بعضها ليخجله لبس الثياب؛ ولقد اهتزت جنبات أفريقيا كلها بالضحك حين التمس "لفنجستون" من مُضيفيه السود أن يضعوا على أجسادهم بعض الثياب قبل قدوم زوجته؛ وكانت "ملكة بالوندا" Balonda عارية من قمة رأسها إلى أخمص قدمها حين عقدت مجلسها من أجل "لفنجستون"، وبين القبائل أقلية صغيرة تباشر العلاقة الجنسية علنا دون أن يداخلها أثر من الخجل؛ وكان أول ظهور الحياء عند المرأة حينما أحست أنها محرَّمة أيام حيضها؛ وكذلك حين قام نظام الزواج بالشراء، وأصبحت بكارة البنت تدر الربح على أبيها، فولدَ عزل الفتاة وإرغامها على البكارة شعوراً عندها بضرورة احتفاظها بعفتها؛ أضف إلى ذلك أن الحياء عند الزوجة في ظل نظام الزواج بالشراء، هو شعورها بتبعة مالية إزاء زوجها بأن تمتنع عن أية علاقة جنسية خارجية ليس من شأنها أن تعود عليه بشيء من الربح؛ وهاهنا ظهرت الملابس، إن لم تكن الدوافع إلى التزين وإلى الوقاية قد أنشأتها بالفعل قبل؛ ذلك ففي قبائل كثيرة لا تلبس المرأة ثياباً إلا بعد زواجها علامة على حيازة زوجها لها حيازة تامة، وحائلا يحول دون سائر الرجال أن تأخذهم شهامة الرجولة؛ فالرجل البدائي لا يوافق على الرأي الذي ذهب إليه مؤلف "جزيرة البطريق" من أن الثياب تشجع على الدعارة؛ وعلى كل حال فليست العفة متصلة بالثياب صلة ضرورية، فيحدثنا الرحالة في أفريقيا أن الأخلاق هناك تناسب في تقدمها تناسباً عكسياً مع كمية الثياب فواضح أن ما يستحي من فعله الناس إنما يعتمد على أساس التحريم الاجتماعي والتقاليد التي تسود جماعتهم، فإلى عهد قريب كانت المرأة الصينية يخجلها أن تعرى عن قدمها، والعربية يخجلها أن تكشف عن وجهها، والمرأة من قبيلة " تاورج " يخجلها أن تبدي فمها، على حين أن النساء في مصر القديمة، وفي الهند في القرن التاسع عشر، وفي "بالى" في القرن العشرين )حتى أتاهن السائحون الشهوانيون( لم يخجلهن أبداً أن يكشفن عن أثدائهن.

لكن لا ينبغي أن ننتهي من ذلك إلى نتيجة هي أن الأخلاق ليست بذات قيمة لأنها تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، وأنه من الحكمة أن نقيم الدليل على سعة علمنا بالتاريخ بأن نطرح من فورنا التقاليد الأخلاقية في مجتمعنا، فالعلم القليل بالأجناس البشرية يُعرض للخطر؛ نعم إنه من الحق في الأساس- كما قال أناتول فرانس في سخرية- "أن الأخلاق هي مجموعة أهواء المجتمع"؛ وكما قال "أناقارسيس" Anacharsis اليوناني، إنه إذا ما جمعنا كل التقاليد التي تقدسها جماعة ما، ثم حذفنا منها كل التقاليد التي تمجدها جماعة أخرى، ما بقى لنا منها شيء؛ لكن ذلك لا يدل على تفاهة الأخلاق في قيمتها، إنما يدل على أن النظام الاجتماعي قد احتفظ بكيانه بطرائق شتى؛ ولا يقلل اختلاف الطرق هذا من ضرورة النظام الاجتماعي، فلا بد من قواعد يرعاها الناس في اجتماعهم بعضهم ببعض، كأنما الاجتماع لعبة لا مندوحة للاعبين عن مراعاة قواعدها إن أرادوا المضي في اللعب، لا بد للناس أن يعلموا كيف يتصرف زملاؤهم في ظروف الحياة الجارية؛ ومن هنا كان إجماع الناس في المجتمع الواحد على اصطناع أخلاق معينة في سلوكهم لا يقل أهمية عن مضمون هذه الأخلاق نفسها؛ فإذا تصدينا لتقاليد جماعتنا وأخلاقها بالتنكر والخروج عليها، حين نستكشف في صدر شبابنا أن تلك التقاليد والأخلاق نسبية، فإنما نكشف بذلك عن يفاعة عقولنا؛ ولو أمهلنا أنفسنا عقداً آخر من عقود العمر، تكشف لنا بعدئذ أن التشريع الخلقي الذي ارتضته الجماعة- وهو يلخص خبرة الأجيال المتعاقبة- فيه من الحكمة أكثر مما يكن لأستاذ أن يشرحه لطلابه في سلسلة محاضراته في الجامعة؛ فسنتبين عاجلا أو آجلا ما يثير في صدورنا القلق، وهو أنه حتى هذا الذي لم نستطع فهمه قد يكون صوابا؛ فالأنظمة والمواضعات والتقاليد والقوانين التي هي قوام المجتمع المتعدد الجوانب، إنما هي من صنع مئات الأجيال وبلايين العقول، ولا يجوز لعقل واحد أن يتوقع لنفسه فهمها في مدى الحياة القصير، دع عنك مدى عشرين عاماً؛ فيحق لنا إذن أن نختم بقولنا إن الأخلاق نسبية لكنها ضرورة لا غنى عنها.

فلما كانت التقاليد القديمة الأساسية تمثل الانتخاب الطبيعي في طرائق حياة المجتمع بعد قرون قضاها الإنسان في محاولة وخطأ، فلا بد لنا أن نرجح بعض الفائدة الاجتماعية، أو بعض القيمة في مساعدة الجنس على البقاء، في البكارة والحياء على الرغم من أنهما نسبيان، وأنهما مرتبطان بنظام الزواج بالشراء، ومن أنهما سبب في الأمراض العصبية؛ فالحياء أو الخَفرَ كان بمثابة الكمين في ميدان القتال تلوذ به الفتاة إذا ما تقدم إلى خطبتها الخاطبون، لتختار من بينهم أصلحهم، اختياراً قائماً على روية، أو لتضطر خاطبها أن يهذب من خصاله قبل أن يظفر بها؛ على أن السدود التي أقامها خَفرَ النساء في وجوه شهوات الرجال، هي نفسها التي ولدت عواطف الحب الشعري الذي رفع قيمتها في عينيه؛ واصطناع النظام الذي يهتم بالبكارة قد أدى إلى زوال السهولة واليسر الفطري الذي كانت تتم به الحياة الجنسية البدائية، لكنه من ناحية أخرى، بحيلولته دون التطور الجنسي في سن مبكرة، والأمومة قبل أوانها، قد ضيق الفجوة بين النضج الاقتصادي والنضج الجنسي- ولو أن هذه الفجوة تميل إلى الاتساع السريع كلما تقدمت المدنية- وربما أعان نظام البكارة بهذا الذي ينشأ عنه من تأجيل للحياة الجنسية، ربما أعان على تقوية الفرد جسما وعقلا، وعلى إطالة أمد المراهقة والتدريب، وبهذا ينتهي إلى رفع مستوى الجنس البشري.

لما تطورت الملكية، تدرج الزنا فأصبح من الكبائر بعد أن كان معدوداً من الصغائر؛ فنصف الشعوب البدائية التي نعرفها لا تعلق على الزنا أهمية كبرى وعلى ذلك فنشأت الملكية لم تؤد فقط إلى مطالبة المرأة بالوفاء التام لزوجها، لكنها كذلك ولَّدت في الرجل شعوراً بالملكية إزاء زوجته؛ حتى حين يعيرها لضيفه، فهو إنما يفعل ذلك لأنها مِلكه جسداً وروحاً؛ ثم كملَ هذا الاتجاه في تصور المرأة حين ألزموها أن تهبط إلى قبر زوجها مع سائر أدواته؛ وعُدَّ الزنا في الأسرة الأبوية مساوياً للسرقة كأنما هو في أساسه اعتداء على الامتلاك، وتفاوت عقاب الزنا في شدته من أخف العقوبات إلى أقساها، من عدم المبالاة عند القبائل البدائية إلى بقر بطون الزانيات وإخراج أمعائهن عند بعض قبائل الهنود في كاليفورنيا وبعد أن مرت الجريمة بقرون طويلة من العقاب، قَرَّت في النفوس فضيلة الوفاء الزوجي عند الزوجة قراراً مكينا وولدت لها ضميرا في فؤاد المرأة يرعاها، حتى لقد أدهشت قبائلُ هندية كثيرة غزاتهم بما لزوجاتهم من فضيلة الوفاءالتي يستحيل عندهن التفريط فيها؛ وتمنى كثير من الرحالة أن يجيء يوم على النساء في أوربا وأمريكا يساوين فيه من حيث الوفاء الزوجي زوجات الزولو والبابوا.

وكان الوفاء الزوجي أيسر على أهل "بابوا"، لأنهم كمعظم الشعوب البدائية لا يقيمون إلا قليلا من العوائق التي تعوق الزوج عن طلاق زوجته، حتى أن الاتحاد الزوجي أوشك ألا يزيد بين الهنود الأمريكيين على عدد قليل من السنين؛ ويقول في ذلك "سكولكرافت" Schoolcraft: "إن نسبة كبيرة من الرجال الكهول أو الشيوخ، قد اتصلت بزوجات كثيرة حتى أن هؤلاء ليجهلون أبناءهم المنتشرين في أرجاء إقليمهم"؛ "إنهم يسخرون من الأوروبيين لاكتفاء الرجل منهم بزوجة واحدة مدى حياته، وهم يرون أن "الروح الطيبة" قد زاوجت بين الزوجين ليكونا سعيدين، فلا ينبغي أن يظلا معاً إلا إذا تلاءمت فيهما الاتجاهات والميول"؛ لهذا ترى الرجال من قبيلة "تشروكي" يبدلون الزوجة ثلاث مرات أو أربعاً كل عام، وأما أهل "ساموا" فيبقون على زوجاتهم ثلاث أعوام لأنهم يميلون إلى المحافظة؛ لكن لما جاءت الزراعة بما تقتضيه من حياة مستقرة، أمتدَ أمد الروابط الزوجية؛ ففي ظل النظام الأبوي للأسرة، كان الطلاق عملية لا تتفق وقواعد الاقتصاد في رأي الرجل، لأن طلاق الزوجة معناه في حقيقة الأمر تفريط في أمةٍ تعود على سيدها بالربح ولما أصبحت الأسرة هي نواة الإنتاج في المجتمع، تحرث الأرض وترعاها بالتعاون، ازدادت ثراء كلما ازدادت نفراً وتماسكا، على فرض المساواة في سائر الظروف بينها وبينما هو أصغر منها من الأسر؛ وتبين للناس ما هو في صالح المجتمع من أن الرابطة الزوجية ينبغي أن تدوم بين الزوجين حتى يفرغا من تربية أصغر الأبناء؛ ولكنهما إذا ما بقيا معاً حتى هذه السن، لم يعد لديهما من نشاط الحياة ما يدفعهما إلى حب جديد. وتصبح حياة الزوجين كأنها نفس واحدة لما اشتركا فيه معاً من عمل وصعاب؛ ولم يعد الطلاق إلى اتساع نطاقه من جديد، إلا بعد انتقال الإنسان إلى الصناعة في المدن، وما تبع ذلك من خفضٍ لعدد أفراد الأسرة وقلة في خطرها.

ويمكن القول بصفة عامة أن الرجال خلال عصور التاريخ كلها أحبوا كثرة الأطفال؛ ولذا جعلوا الأمومة مقدسة؛ بينما النساء اللاتي يقاسينَ مرارة النسل، قد اضطربت في أنفسهنَ ثورة خفية على هذا التكليف الثقيل، فاستخدمنَ ما لا عدد له من الوسائل ليتخففنَ من أعباء الأمومة؛فالرجال البدائيون لا يأبهون عادةً لعدد السكان أن يزيد إلى غير تحديد، لأن الأبناء مربحون لهم في ظروف الحياة السوية، ولئن أسف الرجل على شيء فذاك أنه يستحيل عليه أن يستولد امرأته البنين بغير البنات، أما المرأة فتقابل هذا من ناحيتها بالإجهاض ووأد الأطفال وضبط النسل - فحتى هذا الأخير قد كان يحدث آنا بعد آن في الشعوب البدائية؛ وأنه لمما يثير الدهشة أن نرى شدة الشبه بين الدوافع التي تحرك المرأة "الهمجية" والدوافع التي تحرك المرأة "المتمدنة" إلى اتقاء الولادة، وهي أن تفلت من عبء تربية الأطفال، وتحتفظ لنفسها بقوام فيه فتوة الشباب، وتتقي العار الذي يلحقها من أمومة لطفل جاءها من غير زوجها، وتجتنب الموت، وغير هذه من شتى الدوافع؛ وأبسط الوسائل التي تتبعها المرأة لتحديد الأمومة أن ترفض الرجل أبان الرضاعة التيقد تطول مدى أعوام كثيرة، ويحدث أحياناً- كما هي الحال عند هنود تشيني- أن تأبى المرأة حملا ثانياً إلا إذا بلغ طفلها الأول عامه العاشر؛ وفي بريطانيا الجديدة لم تكن المرأة لتنسل الأطفال قبل مرور عامين أو أربعة أعوام بعد زواجها؛ ولاحظ أن قبيلة "جوايكورو" Guaycuros في البرازيل كانت تتناقص تناقصاً مطرداً، لأن نساءها لم يقبلن حمل الأطفال قبل أن يبلغن الثلاثين؛ والإجهاض شائعبين أهل "بابوا" فيقول نساءهم في ذلك: "عبء الأطفال ثقيل، فلقد سئمناهم، لأنهم ينهكون قوانا"، والنساء في بعض قبائل "الماوري" Maroi يستعملن أعشاباً أو يسببن في أرحامهن اعوجاجاً ليتقين الحمل.

وإذا فشلت المرأة في إجهاض نفسها، فقد بقى لها أن تئد طفلها، ومعظم الشعوب الفطرية تبيح قتل الطفل عند ولادته إذا جاء شائها أو مريضاً أو سِفَاحا، أو إذا ماتت أمه عند ولادته؛ وكأنما يجد الإنسان مبرراً مقبولا في كل وسيلة تؤدي به إلى ضبط عدد السكان ضبطاً يتناسب مع مواد الرزق، فترى كثيراً من القبائل التي تقتل الأطفال إذا ما ظنوا أنهم ولدوا في ظروف لا يحالفها السعود؛ فقبيلة "بُندى" Bondei تخنق المولود إذا نزل إلى الدنيا برأسه أولا؛ وقبيلة "كامشادال" تقتل الطفل إذا ولد في جو عاصف، وقبائل مدغشقر تترك الطفل الوليد في العراء حتى يموت أو تغرقه في الماء أو تئده حيا إذا ما أطل على العالم في مارس أو إبريل، أو يوم أربعاء أو جمعة أوفي الأسبوع الأخير من أي شهر، وإذا ما ولدت المرأة توأمين في بعض القبائل، عد ذلك برهاناً على اقترافها الزنا، لأنه يستحيل على الرجل أن يكون والد لطفلين في آن واحد، وعلى ذلك فأحد الاثنين أو هما معاً يقضى عليهما بالموت؛ وأد الأطفال كان شائعا بين البدو بصفة خاصة لأنهم كانوا يسببون لهم أشكالا في ترحالهم الطويل؛ فقبيلة "بانجرانج" Bangarang لآ في فكتوريا كانت تقتل نصف أطفالها عند الولادة؛ وقبيلة "اللنجوا"Lenguas في إقليم شاكو من باراجواي لم تكن تسمح للأسرة الواحدة بأكثر من طفل واحد كل سبعة أعوام، وتقتل ما زاد عن ذلك، وقبيلة "أبيبون" Abipones حدد تعددها على نحو ما يفعل الفرنسيون، وذلك بأن تنشئ كل أسرة ولداً واحداً وبنتا واحدة، وكلنسل غير ذلك يقتل فور ولادته وإذا حلت ببعض القبائل مجاعة أو تهددتهم مجاعة، قتلوا أطفالهم حديثي الولادة أو أكلوهم، وكانت البنت عادة هي التي تتعرض للوأد، وكانت أحيانا تعذب حتىتموت بحجة أن ذلك يجعل روحها تعود إلى الحياة في جسد صبي إذا ما عادت إلى الحياة من جديد، وكان وأد الأطفال لا يشوبه في أعينهم بشاعة ولا يستتبع تأنيباً من الضمير، لأن الأم فيما يظهر لا تحس الحب الغريزي لأطفالها عند ولادتهم مباشرة.

أما إذا سمح للطفل بالحياة أياما قلائل، فقد أمِنَ القتل، لأنه سرعان ما تثور في الوالدين عاطفة الأبوة أو الأمومة لما يريانه فيه من بساطة وضعف، وفي معظم الحالات، كان الطفل يلقي من الحبفي معاملته من أبويه البدائيين ما لا يلقاه الطفل على وجه العموم عند من هم أرقى في المدنية من هؤلاء؛ ولأن اللبن أو غيره من ألوان الطعام الطري لم يكن يتوفر لديهم، كانت الأم تقوم على رضاعة طفلها من عامين إلى أربعة أعوام، بل قد تمتد الرضاعة أحياناً إلى أثنى عشر عاما، فيحدثنا رحالة عن ولد أخذ في التدخين قبل أن يُفطم عن الرضاعة وكثيراً ما كان الصبي يقف لَعِبَه مع لداته، أو يقف ما عسى أن يؤديه من عمل، لترضعه أمه. والمرأة الزنجية تحمل رضيعها على ظهرها إبان عملها، فإذا أرادت له الرضاعة قذفت له- أحيانا- بثديها عبر كتفيها؛ ولمتكن تربية الأباء لأبنائهم بسيئة النتائج على الرغم من إهمالهم إياهم إهمالا شديدا ذلك لأنهم كانوا يتركون الطفل في سن مبكرة يلاقي نتائج بلاهته ووقاحته ومشاكسته، فكان الطفل يزداد علماً كلما ازداد تجربة؛ وفي المجتمع الفطري يشتد الحب بين الآباء لبنيهم والأبناء لآبائهم.

والطفولة في الجماعة البدائية تتعرض لكثير من الأخطار والأمراض، ونسبة الوفاة فيهم عالية؛ والشباب في تلك الجماعة قصير الأمد، لأن الزواج كان يبدأ في سن مبكرة فتبدأ التبعات الزوجية، وسرعان ما يضيع الفرد في ثقال المهام التي يكلف بها من تزويد الجماعة بزادها والدفاع عنها. فالنساء يُذْويهن حمل الأطفال والرجال يذويهم تزويد هؤلاء الأطفال بضرورات الحياة حتى إذا ما فرغ الأبوان من تربية الطفل الأخير، نفذت قواهما فلم يكن ثمة مجال لإبراز الشخص لفرديته، لا في أول الحياة ولا في نهايتها؛ فالفردية- كالحرية- ترف جاءت به مدنية إذ لم يحدث إلا في فجر التاريخ أن تحررَ من رِبْقة الجوع والنسل والقتال عدد من الرجال والنساء يكفي لخلق القيم الروحية للفراغ والثقافة والفن.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









15 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الزواج الفصل الأول الزواج



15


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> الزواج

الفصل الأول

الزواج

معنى الزواج - أصوله البيولوجية - الشيوعية الجنسية - زواج التجربة - زواج الجماعة -

زواج الفرد - تعدد الزوجات - قيمته في تحسين النسل - الزواج من غير العشيرة - الزواج

مقابل الخدمة - وبالأسر - وبالشراء - الحب البدائي - وظيفة الزواج الاقتصادية


أول مهمة تؤديها التقاليد التي هي قوام التشريع الخلقي لجماعة من الجماعات، هي أن تنظم العلاقة بين الجنسين لأنها مصدر دائم للنزاع والاعتداء وإمكان التدهور؛ والصورة الأساسية لهذا التنظيم الجنسي هي الزواج الذي يمكن تعريفه بأنه اتحاد العشيرين للعناية بالنسل؛ وهو تنظيم يختلف ويتغير من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان حتى لقد اجتاز خلال تاريخه كل صورة ممكنة، وكل تجربة ممكنة من العناية التي كان يبديها البدائيون بالنسل دون أن يكون بين العشيرين اتحاد في المعيشة، إلى ما نراه في عصرنا الحديث من اتحاد العشيرين في المعيشة بغير نسل يعنيان به.

كان الزواج من ابتكار أجدادنا من الحيوان؛ فبعض الطيور فيما يظهر يعيش معيشة الأزواج التي تنسل في رباط بين الزوجين لا يعرف الطلاق، وبين الغورلا والأورانجوتان يدوم اتصال الوالدين حتى نهاية فصل الإنسال، ولاتصالها هذا علامات كثيرة تشبه فيه بني الإنسان، وكل محاولة تحاولها الأنثى في اتصالها في ذكر آخر، يعاقبها عليها عشيرها عقاباً صارما. ويقول "دى كرسبيني" De Crespigny عن الأورانج في بورنيو "إنها تعيش في أسر: الذكر والأنثى وصغيرهما" يقرر الدكتور سافدج Dr. Savage عن الغورلا "إنه من المألوف أن ترى الوالدين جالسين تحت شجرة يتسليان بالفاكهة يأكلانها وبالسمر يَسمُران به، بينما يأخذ أبناؤهما في القفز حولهما والوثب من غصن إلى غصن في مرح وزئاط". وإذن فالزواج أعمق في التاريخ من بني الإنسان.

والمجتمعات التي تخلو من الزواج نادرة، لكن الباحث الخبيث يستطيع أن يجد منها عدداً يكفيه ليصور به مرحلة انتقال من الفوضى الجنسية التي تسود الحيوان الأدنى إلى صنوف الزواج التي أخذ بها الإنسان البدائي؛ ففي "فوتونا" Futuna و "هواي" معظم الناس لم يتزوجوا إطلاقاً، وأهل "لوبو" Lubu تعاشروا في إباحية وبغير اختيار أو تحديد، ولم يكن في رءوسهم فكرة الزواج، وكذلك بعض القبائل في بورنيو كانت تعيش حياتها الجنسية بغير أن يكون الزواج هو الرباط الذي يربط الزوجين، ولذلك كانت العلاقة بين العشيرين أسهل انحلالا مما نراه بين الطيور، ولدى بعض شعوب الروسيا البدائية "كان الرجال يستعملون النساء بغير تمييز بحيث لم يكن لامرأة زوج معلوم".

ولقد وصف الواصفون أقزام أفريقيا بأنهم لا يصطنعون أنظمة الزواج في حياتهم، بل تراهم "يشبعون غرائزهم الحيوانية إشباعاً كاملا بغير ضابط"؛ لكن هذا "التأميم للنساء" الذي يقابل الشيوعية البدائية في الأرض والطعام، زال في مرحلة مبكرة بحيث لم يعد من آثاره اليوم إلا قليل، ومع ذلك فقد لبثت بعض ذكرياته عالقة في الأذهان في صور مختلفة: في شعور كثير من الشعوب الفطرية بأن وحدانية الزوجة- التي يعرفونها بأنها احتكار رجل واحد لامرأة- ينافي الطبيعة ويجافي الأخلاق، وفي الأعياد التي نقيمها على فترات معلومة ونتحلل فيها من القيود الجنسية مؤقتاً )ولا يزال هذا الشعور موجوداً بصورة ضعيفة في بعض أعيادنا(، وفي مطالبة المرأة بأن تُسلم نفسها لأي رجل يطلبها قبل أن يُسمح لها بالزواج - كما هي الحال في "معبد مايْلتّا" Mylitta في بابل-،وفي عادة إعارة الزوجة، وهي عادة ضرورية بالنسبة إلى كثير من أخلاق الكرم كما يعرفها البدائيون، وفي حق الليلة الأولى؛ وهو حق كان يتمتع به الشريف في أوائل العهد الإقطاعي في أوربا، وربما كان الشريف في ذلك يمثل حقوق القبيلة القديمة، وذلك الحق هو أنه يجوز للشريف أن يَفُض بكارة العروس قبل أن يؤذن للعريس بمباشرة الزواج.
ثم حلت بالتدريج محل هذه العلاقات التي لم تعرف التحديد ألوان من اتحاد الرجل والمرأة كانت بمثابة التجريب، فعند قبيلة "أورانج ساكاي" Orang Sakai في ملقا، كانت المرأة تعاشر كل رجل من رجال القبيلة حيناً، حتى إذا ما أتَمَّت الدورة بدأت من جديد، وبين قبيلة "ياكوت" Yakuts في سيبريا، وقبيلة "بوتوكودو" Botocudos في جنوب أفريقيا، والطبقات الدنيا في التبت، وكثير غير هذه من الشعوب، كان الزواج تجريبياً خالصاً بمعنى أن كلاًّ من الزوجين له الحق في فض العلاقة إذا شاء وبغير أن يبدي لذلك سبباً أو يُطالب بالسبب؛ وعند قبيلة "بوشمن" "يكفي أقل خلاف بين الزوجين لانحلال الزوجية، ولا يلبث الزوجان أن يجد كل منهما زوجاً آخر، " وعند قبيلة "داماترا" Damatras فيما يروى "سير فرانسز جولتُن" Sir Fancis Galton- "يتبدل الزوج مرة كل أسبوع تقريباً، وقلما استطعتُ أن أعرف إلا بعد استقصاء وبحث- من ذا كان زوجاً مؤقتاً لهذه السيدة. أو تلك في وقت معين" وكذلك في قبيلة "بايلا" ينتقل النساء من رجل إلى رجل ويَتُركنَ زوجاً لينتقلن إلى زوج آخر بمحض اختيارهن؛ والفتيات اللائى كِدنَ لا يجاوزنَ العشرين، تجد للواحدة منهنَ في كثير من الحالات أربعة أزواج أو خمسة كلهم أحياء "وكلمة الزواج في هواي معناها في الأصل"تجربة"، وقد كان الزواج في تاهيتي منذ قرن حراً من القيود وينحل لغير سبب ما دام الزوجان لم يَنسِلا، أما إن أنجبا طفلاً فلهما أن يقتلاه دون أن يقع عليهما لوم من المجتمع،أو هما يقومان على تربيته وبذلك يبدءان حياة دائمة الصلات، بحيث يتعهد الرجل للمرأة أن يعولها في مقابل رعايتها للطفل، التي أخذتها الآن على عاتقها.

وكتبَ "ماركو بولو" عن قبيلة في آسيا الوسطى، كانت تسكن إقليم "بين" Peyn "وهي تعرف الآن باسم كيريا" Keria في القرن الثالث عشر، يقول: "إذا سافر رجل متزوج بحيث بَعُدَ عن بلده ليغيب في رحلته عشرينَ يوماً، فلزوجته الحق- إذا شاءت- أن تتزوج من رجل آخر؛ والمبدأ صحيح كذلك بالنسبة للرجال، فيتزوجون حيث أقاموا" وهكذا ترى الأساليب الجديدة التي أدخلناها في زواجنا وأخلاقنا حديثاً قديمة في أصلها.

يقول "لترنو" Letourneau عن الزواج: "لقد جُرّبت كل صورة من صور الزواج، مما يتفق مع طول بقاء المجتمعات الهمجية والوحشية، ولا يزال بعضها اليوم قائماً لدى أجناس مختلفة، دون أن يطوف بأذهان أهلها أية فكرة من الأفكار الخلقية التي تسود أوروبا عادةً"، فهناك تجارب أجريت في العلاقة بين الزوجين إلى جانب التجارب التي أجريت لاختبار مدة الزواج؛ ففي حالات قليلة نرى "زواجاً جماعياً" بمعنى أن تتزوج طائفة من رجال ينتمون إلى جماعة من طائفة من النساء تنتمين إلى جماعة أخرى، بحيث يكون الزواج جَمِعَّياً بين الطائفتين؛ وفي التبت مثلاً كانت العادة أن تتزوج طائفة من الأشقاء طائفة من الشقيقات، بحيث تقوم الشيوعية الجنسية بين الطائفتين، لكل رجل أن يعاشر كل امرأة؛ ولقد روى قيصر عادة شبيهة بهذه في بريطانيا القديمة وكان من بقاياها عادة الزواج بزوجة الأخ بعد موته، وقد شاعت عند اليهود الأقدمين وغيرهم من الشعوب القديمة، وضاق لها صدر "أونان" ضيقاً شديداً.

فما الذي حدا بالناس أن يستبدلوا بالحالة البدائية التي كان الزواج فيها أقرب شيء إلى الفوضى، زواجاً فردياً؟

إنه مما لا شك فيه أن الشهوة الجسدية ليست هي التي دفعت الناس إلى نظام الزواج، لأنك لا تجد في الكثرة الغالبة من الشعوب الفطرية الا قليلاً- ذلك إن وجدت شيئاً على الإطلاق- من القيود المفروضة على العلاقات الجنسية قبل الزواج؛ ولان الزواج بكل ما يسببه من مضايقات نفسيه وبكل ما فيه من قيود، يستحيل عليه أن ينافس الشيوعية الجنسية في إشباعها للميول الجنسية عند الإنسان؛ كلا وليس نظام الزواج الفردي بمهيىء في بدايته جوا لتربية الأطفال يبدو بالبداهة أنه خير لتربيتهم من عناية الأم وأسرتها وعشيرتها؛ إذن فلا بد أن يكون الدافع إلى الزواج وتطوره عوامل اقتصادية قوية الأثر، وأرجح الظن )وهنا ينبغي أن نتذكر مرةً أخرى أننا لا نعرف من بدايات الأشياء إلا قليلاً( أن هذه العوامل التي دفعت إلى نظام الزواج كانت مرتبطة بنشأة نظام الملكية.

جاء الزواج الفردي نتيجة لرغبة الرجل في أن يسترقَّ لنفسه رقيقاً بثمن رخيص، ونتيجةً أيضاً لرغبته في توريث مِلكه لأبناء غيره من الرجال؛ وظهر من صور الزواج صورة تبيح للعشير أن يتعدد عشراؤه، فاتخذت صورة تعدد الأزواج للزوجة الواحدة كما هي الحال في قبيلة "تودا" Todas وبعض قبائل التبت، وإنما تظهر هذه العادة حيثما زاد عدد الرجال على عدد النساء زيادة كبيرة، لكنها عادة سرعان ما تَنتَفي على يد الرجل القوي الغلاب، ولم نعد نفهم من نظام تعدد العشراء للعشير الواحد إلا إحدى صورتيه. ألا وهي تعدد الزوجات للزوج الواحد؛ ولقد ظن رجال الدين في العصور الوسطى أن تعدد الزوجات للزوج الواحد نظام ابتكره محمد ابتكاراً لم يُسبق إليه، لكنه في الواقع نظام سابق للإسلام بأعوام طوال، لأنه النظام الذي ساء للعالم البدائي وهنالك من الأسباب عِدَّة عملت كلها على تعميم هذا النظام ونشره أولها أن حياة الرجال في المجتمع الأول كانت أشد عنفاً وأكثر تعرضاً للخطر بسبب اضطلاعهم بالصيد والقتال، ولذا زاد الموت في الرجال عليه في النساء، واطراد الزيادة في عدد النساء يضع أمام المرأة اختياراً بين حالتين: فإما تعدد الزوجات للرجل الواحد، وإما عزوبة عقيمة ليس عنها محيص لبعض النساء، لكن مثل هذه العزوبة للمرأة لا تنظر إليها بعين الرضى شعوب تريد نسبة عالية من الولادة تقابل بها نسبة عالية في الوفاة، ولذا ترى أمثال تلك الشعوب تزدري المرأة العانس والمرأة العقيم، وثاني هذه الأسباب أن الرجال يميلون إلى التنوع، فالأمر كما عبر عنه زنوج أنجولا أنهم: "لم يكن في وسعهم أن يأكلوا دائماً طعاماً واحداً"، كذلك يحب الرجال أن تكون عشيراتهم في سن الشباب، والنساء يكتهلن بسرعة في المجتمعات البدائية، بل أن النساء أنفسهن كنَّ أحياناً يُحَبّذن تعدد الزوجات، حتى يباعِدنَ بين فترات الولادة دون أن يُنقِصنَ عند الرجل شهوته وحبه للنسل، وأحياناً ترى الزوجة الأولى، وقد أنهكها عبء العمل، تشجع زوجها على الزواج من امرأة ثانية حتى تقاسمها مشقة العمل، وتنسل للأسرة أطفالاً يزيدون من إنتاجها وثرائها، فالأبناء عند هؤلاء الناس كسب اقتصادي، والرجال بمثابة من ينتفع بالزوجة انتفاعه برأس المال، يستولدها الأبناء الذين يقابلون الربح في رأس المال؛ ففي الأسرة الأبوية، لا تكن الزوجة وأبناؤها إلا بمنزلة العبيد لرأس الأسرة وهو الرجل، وكلما ازداد الرجل زوجات ازداد مالاً؛ وقد كان الفقير يتزوج من زوجة واحدة، لكنه كان ينظر إلى ذلك نظرته إلى وصمة العار. وينتظر اليوم الذي يعلو فيه إلى المنزلة العالية التي ينزلها صاحب الزوجات الكثيرة في أعين الناس.

ولا شك أن تعدد الزوجات لاءم حاجة المجتمع البدائي في ذلك الصدد أتم ملاءمة، لأن النساء فيه يزدن عدداً على الرجال؛ وقد كان لتعدد الزوجات فضل في تحسين النسل أعظم من فضل الزواج من واحدة الذي نأخذ به اليوم، لأنه بينما ترى أقدر الرجال وأحكمهم في العصر الحديث هم الذين يتأخر بهم الزواج عن سواهم، وهم الذين لا ينسلون إلا أقل عدد من الأبناء، ترى العكس في ظل تعدد الزوجات، الذي يتيح لأقدر الرجال أن يظفروا- على الأرجح- بخير النساء، وأن ينسلوا أكثر الأبناء؛ ولهذا استطاع تعدد الزوجات أن يطول بقاؤه بين الشعوب الفطرية كلها تقريباً، بل بين معظم جماعات الإنسان المتحضر، ولم يبدأ في الزوال في بلاد الشرق إلا في عصرنا الحاضر؛ لأنه قد تآمرت على زواله بعض العوامل؛ فحياة الزراعة المستقرة حَدَّت من عنف الحياة التي كان يحياها الرجال وقللت من أخطارها، فتقارب الجنسان عدداً؛ وفي هذه الحالة أصبح تعدد الزوجات المكشوف، حتى في الجماعات البدائية، ميزة تتمتع بها الأقلية الغنية وحدها أما سواد الناس فلا يجاوزون الزوجة الواحدة؛ ثم يخففون وطأة ذلك على نفوسهم بالزنا، بينما ترى أقلية أخرى آثرت العزوبة راضية أو كارهة، فعادلت بهذا الامتناع ما يستولي عليه الأغنياء من زوجات كثيرات، وكان عدد الجنسين كلما أقترب من التعادل زادت الغيرة في الرجل على زوجته، والحرص في الزوجة على زوجها؛ لأنه لما كان العدد قريباً من التساوي في الجنسين تعذر على أقوياء الرجال أن يعددوا زوجاتهم، لأنهم في مثل هذه الحالة لا يجدون كثرة من الزوجات إلا إذا اغتصبوا زوجات الآخرين أو من سيكنَّ زوجات للآخرين، وإلا إذا أساءوا )في بعض الحالات( إلى زوجاتهم، نقول إنه في مثل هذه الحالة يتعذر تعدد الزوجات بحيث لا يستطيعه إلا أوسع الرجال حيلة، هذا إلى أنه لما ازداد تراكم الثروة في أيدي بعض الرجال، وكره هؤلاء أن يبعثروا ثروتهم هذه في توريث عدد كبير من الأبناء لا يصيب الواحد منهم إلا قدر ضئيل، آثر هؤلاء أن يُفَرّقوا بين الزوجات "فزوجة رئيسية" ومحظيات، حتى لا يقتسم الإرثَ إلا أبناء الزوجة الرئيسية، ولبث الزواج على هذه الحالة في آسيا حتى عصرنا الذي عاصرناه بجيلنا، ثم أصبحت الزوجة الرئيسية بالتدريج هي الزوجة الواحدة، وأما المحظيات فقد تعرضنَ لإحدى حالتين، فإما بقينَ خليلات وراء الستار، وإما عُدِل عنهن إطلاقاً، وذلك فضلاً عن أثر المسيحية حين دخلت عاملاً جديداً؛ فجعلت نظام الزوجة الواحدة في أوربا- بدل تعدد الزوجات- هو النظام الذي يرتضيه القانون، وهو الصورة التي تظهر فيها العلاقة الجنسية؛ لكن نظام الزوجة الواحدة- شأنه شأن الكتابة ونظام الدولة- نظام صناعي نشأ والمدنية في وسطى مراحلها، وليس هو بالنظام الطبيعي الذي يتصل بالمدنية في أصول نشأتها.

ومهما يكن أمر الصورة التي يتخذها الزواج فقد كان إجباراً بين الشعوب البدائية كلها تقريباً، ولم يكن للرجل الأعزب منزلة في المجتمع، أو عُدَّ مساوياً لنصف رجل فحسب. كذلك كان إجباراً على الرجل أن يتزوج من غير عشيرته. ولسنا ندري إن كانت هذه العادة قد نشأت لأن العقل البدائي داخله الشك فيما يترتب على زواج الأقارب من سوء النتائج أو لأن التصاهر بين الجماعات أوجد تحالفاً سياسياً مفيداً بينها، أو زاد هذا التحالف قوة إن كان موجوداً بالفعل، وبهذا زاد التنظيم الاجتماعي تقدماً وقللَ من أخطار الحروب؛ أو لأن انتزاع زوجة من قبيلة أخرى قد أصبح معدوداً بين الناس من علامات الرجولة التي اكتمل نضوجها؛ أو لأن نشأة الصبي بين قريباته يقلل من قيمتهن في عينه، وبُعدَ القريبات عنه يزيد في سحرهن؛ وعلى كل حال فقد كان هذا التحديد في اختيار الزوجة عامّا شاملا لكل الجماعات الأولى تقريباً؛ وعلى الرغم من أن الفراعنة والبطالسة والإنكا قد وُفّقوا إلى تحطيمه بأن أقبلوا على الزواج الأخ بأخته، إلا أنه ظل قائماً بين الرومان كما يعترف به القانون الحديث؛ وهذا التقليد لا يزال له أثره في سلوكنا- عن شعور أو لا شعور- حتى يومنا هذا.

فكيف كان يتاح للرجل أن يظفر بزوجته من قبيلة أخرى؟ لما كانت الأسرة التي ترأسها الأم هي النظام السائد، كان يطلب إلى الزوج في كثير من الحالات أن يعيش مع عشيرة المرأة التي أراد زواجها؛ فلما تطور نظام الأسرة الأبوية، سمح للخطيب أن يأخذ عروسه معه إلى عشيرته، على شرط أن يقيم فترة معلومة قبل ذلك في خدمة أبيها، فمثلاً خدم يعقوب لأبانَ في سبيل زواجه من "لِيحة" و "راشيل" لكن الخطيب كان أحياناً يقتضب الأمر باصطناعه للقوة الصريحة الغاشمة؛ وكان من حسنات الرجل ومميزاته أن يأخذ زوجته من أهلها قسراً، فذلك يجعل منه أمةً رخيصة من جهة، كما يستولدها عبيداً من جهة أخرى، وهي إذا ما ولدت له هؤلاء الأطفال العبيد، ازدادت بعبوديتها له صلةً وربطا؛ ومثل هذا الزواج الذي يتم بطريق الاغتصاب، لم يكن القاعدة الشاملة، لكنه كان يقع في العالم البدائي حيناً بعد حين، فالنساء عند هنود أمريكا الشمالية جزء من أسلاب الحرب، ولقد كان هذا السبي للنساء من الشيوع بحيث ترى الأزواج وزوجاتهم في بعض القبائل يتكلمون لغات مختلفة، فلا يفهم الزوج لغة زوجته ولا الزوجة لغة زوجها؛ ولبث السلاف في الروسيا والصرب يأخذون بزواج الاغتصاب أحياناً حتى القرن الماضي ؛ ولا تزال آثار هذه العادة قائمة في قيام العريس بدور المغتصب لعروسه في بعض احتفالات الزواج؛ وعلى كل حال فقد كانت نتيجة طبيعية لما كان بين القبائل من حروب كادت لا تنقطع، كما كانت بداية طبيعية للحرب الناشبة بين الجنسين التي لا تسكن بالمهادنة إلا فترات قصيرة، ولا تنام فتنتها إلا نوماً قلقاً بغير أحلام.

فلما زادت الثروة بات أيسر على الخطيب أن يدفع لوالد العروس هدية ثمينة- أو مبلغ من المال- ثمناً لابنته، من أن يخدم عشيرةً غير أهله للحصول عليها، أو يخاطر بما عسى أن يترتب على اغتصابها من قتال وإراقة للدماء؛ ونتيجة ذلك أن اصبح الزواج بالشراء تحت أشراف الوالدين، هو القاعدة السائدة في المجتمعات الأولى وحدثت خلال ذلك حلقات وسطى تم فيها الانتقال؛ فأهل مالينزيا كانوا يسلبون زوجاتهم سلباً، لكنهم كانوا يعودون بعدئذ فيجعلون هذه السرقة مشروعة بأن يدفعوا لأسرة الزوجة مبلغاً من المال؛ كذلك عند بعض أهالي غانة الجديدة كان الرجل يخطف الفتاة، وبينما هما في مخبئهما، يرسل أصدقاءه ليساوموا أباها في ثمنها؛ وأنه لممَّا ينير طريق التفكير أمامنا أن نذكر كيف يَسُهلُ التغلب بالمال على مقاومة الناس لوضع من الأوضاع الخلقية؛ فيروى عن أم من قبيلة "ماوري" Maroi أنها أخذت تبكي بصوت عالٍ، وتستنزل أمر اللعنات على الشاب الذي أختطفَ ابنتها، حتى جاءها هذا الشاب بهدية هي غطاء من الصوف، فقالت؛ "هذا كل ما أردته، أردت أن أظفر بهذا الغطاء الصوفي فجعلتُ أصيح بالبكاء"، لكن ثمن العروس كان يزيد عادةً على غطاء من الصوف، فثمنها عند الهوتنتوت ثور أو بقرة، وعند قبيلة "كرو" Croo ثلاثة أبقار وشاة، وعند "الكفير" يتراوح ثمنها من ست أبقار إلى ثلاثين، حسب المنزلة التي تنزلها أسرة الفتاة في المجتمع، وبين "التوجو" Togos ثمنها ستة عشر ريالاً تدفع نقداً، وستة ريالات تدفع عَيناً.

والزواج بالشراء يسود أصقاع أفريقيا جميعاً، وهو النظام المألوف في الصين واليابان. وكان شائعاً في الهند القديمة وعن اليهود القدماء، وفي أمريكا الوسطى قبل عهد كولمبس، وفي بيرو، بل لا تزال أمثلة منه في أوربا اليوم وهو تطور طبيعي لنظام الأسرة الأبوية، لأن الوالد يملك ابنته، وفي وسعه أن يتصرف فيها بما يراه مناسباً لا يحدد حقه في هذا إلا حدود ضئيلة؛ ويعبر عن هذا هنود أورنوكو بقولهم أن الخطيب يجب عليه أن يدفع للوالد ثمن تربيته لفتاة سينتفع بها هو ويحدث أحياناً أن تُعرض الفتاة في معرض للعرائس أمام جماعة من الرجال قد يكون منهم لها خطيب؛ وكذلك من عادة أهل الصومال أن يُزيّنوا العروس أفخر الزينة، ويعرضوها على ظهر جواد أو ماشيةً على قدميها، في جو يفوح بالعطور لعلها تستثير الخطاب فيدفعوا فيها ثمناً أغلى وليس لدينا مدون واحد يدل على أن امرأة عارضت في زواجها بالشراء، بل الأمر على نقيض ذلك، كان النساء يفاخرنَ بما يدفع لهنَ ثمناً، ويحتقرنَ المرأة التي تسلم نفسها في الزواج بغير ثمن لأنهنَ يعتقدن أنَ الزواج الذي يعقد الحُبّ أواصره بغير ثمن مدفوع، يكون فيه الزوج الشرير كاسباً كسباً عظيما لم يدفع لقاءه شيئاً ومن جهة أخرى كان من المألوف أن يرد والد العروس ما دفعه العريس هديةً أخذت تزداد قيمتها على مر الأيام حتى قاربت ما يدفعه العريس؛ ثم أخذ الأباء الأغنياء يتوسعون تدريجياً في هذه الهدايا، لكي ييسروا لبناتهم الزواج، حتى ظهر نظام المهر تدفعه العروس لخطيبها، وهكذا حل شراء والد العروس لزوج أبنته محل شراء الخطيب لزوجته، أو قل أن الشراءين يسيران جنباً إلى جنب.

في شتى هذه الصور والصنوف التي يتخذها الزواج، لا تكاد تقع فيها على أثر من الحب والعاطفة؛ نعم قد تجد حالات قليلة من زواج الحب بين قبيلة البابوا في غينا الجديدة، وكذلك قد تجد بعض حالات الحب في غيرها من الشعوب البدائية )والحب هنا معناه إخلاص متبادل لا منفعة متبادلة( لكن هذه الحالات النادرة التي تصادفها لا شأن لها بالزواج، ففي أيام البساطة الأولى كان الرجال يتزوجون ليشتروا عملاً رخيصاً ويكسبوا أبوة مُربحة ويضمنوا وجبات منتظمة من الطعام، يقول "لاندر" Lander: يحتفل أهل "ياريبا" Yariba بالزواج دون أن يثير ذلك في نفوسهم أقل اهتمام، فتفكير الرجل في حيازة زوجة لا يزيد على تفكيره في قطع سنبلة من القمح، لأن الحب أمر ليس له وجود لأنه لما كانت العلاقة الجنسية أمراً مباحاً قبل الزواج، فإن عاطفة الرجل لا تجد من السدود ما يختزنها، وقلما يكون لها أثر في اختيار الزوجة؛ وللسبب نفسه، أعني تلاحق الشهوة وتنفيذها بغير فاصل من زمن، ليس لديهم ما يبررأن يجلس الشاب مفكراً في طوية نفسه، في عاطفته التي احتبست في صدره والتي من أجل احتباسها أخذت تُزَين له الحبيب المُشتَهَى، مما يؤدي عادةً إلى الحب العاطفي عند الشباب؛ إن مثل هذا الحب وظهوره مرهون بالمدنية التي أقامت الأخلاق سدودا أمام الشهوة، هذا إلى أن الثروة وازديادها قد مكنت بعض الرجال أن ينفقوا، وبعض النساء أن يصنعنَ، ما يقتضيه الحب العاطفي من علامات الترف والرقة؛ فالبدائيون أفقر من أن يعرفوا عاطفة الحب؛ ولذلك قلما تجد في أغانيهم شعراً يدور حول الحب؛ ولما ترجم المبشرون المسيحيون الكتاب المقدس إلى لغة قبيلة "ألجونكون" Algonquins لم يجدوا كلمة في لغتهم تعبر عن "الحب"؛ ويصف الواصفون قبيلة الهوتنتوت بأنهم "باردون في الزواج ولا يأبه أحد من الزوجين بالآخر" وكذلك في ساحل الذهب "لا يظهر بين الزوج وزوجته من علائم الحب شيء حتى ولا مظاهره الخارجية" وقل هذا كذلك في أهل استراليا البدائيين؛ يقول "كاييه" Caillie إذ هو يتحدث عن زنجي من السنغال: "سألت بابا لماذا لا يمرح أحياناً مع زوجاته، فقال إنه لو فعل لتعذر عليه بعدئذ أن يملك زمامهن"؛ ولما سئل رجل من أهل استراليا الوطنيين لماذا أراد أن يتزوج، فأجاب صادقاً بأنه إنما أراد الزوجة لتهيئ له الطعام والشراب والحطب، ولتحمل له المتاع أثناء الرحيل والتقبيل الذي لا يستغني عنه الأمريكيون فيما يظهر، لا تعرفه الشعوب البدائية، أو هم يعرفونه معرفة الشيء المزدَرَي.

وعلى وجه التعميم، نقول أن "الهمجي" يزاول أموره الجنسية بروح فلسفية، لا يكاد يزيد عن الحيوان فيما يساوره من قلق ميتافيزيقي أو ديني؛ إنه لا يفكر في الأمر بينه وبين نفسه، كلا ولا يطير بعاطفته في سمائه، بل الجنس عنده أمر طبيعي كالطعام سواء بسواء، ولا يحاول قط أن يُزَيّن لنفسه الدوافع، فليس في الزواج عنده شيء من التقديس، وقلما يسرف في الاحتفال به، بل هوفي رأيه عملية تجارية صريحة، ولا يخطر بباله أبداً أنه مما يخجله أن يُخضِع عاطفته للاعتبارات العملية في اختياره لزوجته، بل العكس هو أولى عنده بإثارة الخجل، ولو استباح لنفسه من الغرور ما نستبيحه نحن لأنفسنا، لسألنا عما يبرر التقليد الذي جرينا عليه وهو أن نربط رجلاً بامرأة إلى آخر الحياة تقريباً، لا لشيء سوى أن الرغبة الجنسية قد ربطت بينهما ببرقها الخاطف لمحة واحدة من الزمن، فالزواج عند الرجل البدائي لا يُنظر إليه على أساس التنظيم الجنسي، بل على أنه تعاون اقتصادي ولذلك كان يريد من المرأة، بل المرأة تريد من نفسها أن تكون نافعة نشيطة أكثر منها رشيقة جميلة (ولو أنه يقدر هذه الصفات فيها)، إذ لابد أن تكون له كسباً اقتصادياً، لا خسارة لا كسب من ورائها، وإلا لما فكر "الهمجي" الواقعي في الزواج إطلاقاً، الزواج عنده شركة تدر ربحاً، لا ضرب من ضروب الدعارة الخاصة، إنه طريقة تجعل الرجل والمرأة إذا ما تعاونا في العمل، أنجح في الحياة منهما لو عمل كل منهما مستقلا عن زميله؛ فحيثما وَجدَت في تاريخ المدنية مرحلة لا تكون فيها المرأة كسباً اقتصادياً في زواجها للرجل، فأعلم أن الزواج قد انهار بناؤه، وأحياناً تنهار المدنية بانهياره.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





14 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> مقدمة الباب الرابع العناصر الخلقية في المدنية


14

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الخلقية في ا -> مقدمة

الباب الرابع

العناصر الخلقية في المدنية


لما كان المجتمع يستحيل قيامه بغير نظام، والنظام لا يكون بغير قانون، قلنا أن نعممها قاعدةً من قواعد سير التاريخ، بأن قوة التقاليد تتناسب تناسباً عكسياً مع كثرة القوانين، كما أن قوة الغريزة تتناسب تناسباً عكسياً مع كثرة الأفكار؛ وبعض القواعد لابد منه حتى يعايش الناس بعضهم بعضاً، وقد تختلف هذه القواعد في الجماعات المختلفة، لكنها ينبغي أن تكون في جوهرها واحدة في الجماعة الواحدة؛ وقد تكون هذه القواعد مواضعات أتفق عليها الناس أو تقاليد أو أخلاقاً أو قوانين؛ فأما المواضعات فهي صور من السلوك وجد الناس أنها نافعة لحياتهم، والتقاليد مواضعات قبلتها الأجيال المتعاقبة؛ والأخلاق هي التقاليد التي ترى الجماعة ألا غنى عنها لسعادتهم وتقدمهم بعد أن تعلمت من الانتخاب الطبيعي الذي يُبقى على الصالح ويزيل الفاسد خلال ما يصادفه الناس من تجارب يجرونها في الحياة فيخطئون هنا وهناك، هذه التقاليد الحيوية أو الأخلاق في الجماعات البدائية التي لا تعرف قانوناً مكتوبا تنظم كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية؛ وتكسب النظام الاجتماعي اطراداً وثباتاً؛ وهذه التقاليد إذا ما انقضى عليها الزمن وخلع عليها سحره شيئاً فشيئاً، فإنها بطول تكرارها تصبح للفرد طبيعة ثانية؛ إن جاوز حدودها شعر بالخوف أو القلق أو العار- وذلك هو أصل الضمير أو الحس الأخلاقي الذي أختاره دارِون ليكون أظهر فاصل يفرّق بين الحيوان والإنسان والضمير في مراحل تطوره العليا يصبح وعياً اجتماعيا- أي شعور الفرد بأنه ينتمي إلى جماعة معينة وأنه مدين لها بشيء من الولاء والاحترام؛ وما الأخلاق سوى تعاون الجزء مع الكل، ثم تعادل كل جماعة مع كل أعظم فالمدنية، بطبيعة الحال كانت تستحيل بغير أخلاق.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




13 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> الأسرة الفصل الرابع الأسرة


13

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> الأسرة

الفصل الرابع

الأسرة


وظيفتها في المدنية - موازنة القبيلة والأسرة - نمو العناية الأبوية -

عدم أهمية الوالد - انفصال الجنسين - حق الأمومة - منزلة المرأة-

وظائفها - أعمالها الاقتصادية - الأسرة الأبوية - إخضاع المرأة


لما كانت الحاجات الأساسية للإنسان هي الجوع والحب، كانت الوظائف الرئيسية للتنظيم الاجتماعي هي تهيئة الموارد الاقتصادية ودوام البقاء من الوجهة البيولوجية؛ فاتصال النسل في سلسلة من الأبناء حيوي كاتصال الطعام؛ لهذا ترى المجتمع يضيف دائماً إلى الأنظمة الاجتماعية التي من شأنها أن تهيئ الراحة المادية والنظام السياسي، أنظمة أخرى من شأنها أن تديم بقاء الإنسان في نسله؛ ولقد لبثت القبيلة - حتى قيام الدولة قُرب بداية المدنية التاريخية بحيث أصبحت للنظام الاجتماعي مركزاً رئيسياً دائماً - لبثت القبيلة حتى ذلك العهد تتولى هذه المهمة الدقيقة، مهمة تنظيم العلاقة بين الجنسين وبين الأجيال المتعاقبة، بل أنه حتى قيام الدولة، ظلت مقاليد حكومة الإنسان مستقرة في تلك الجماعة التي هي أعمق الأنظمة التاريخية جذوراً - وهي الأسرة، إنه لبعيد الاحتمال أن يكون الإنسان الأول قد عاش في أسرات متفرقة، حتى في مرحلة الصيد؛ لأن ضعف الإنسان في أعضائه الفسيولوجية التي يدافع بها عن نفسه، كان قمينا أن يجعل منه فريسة للكواسر التي لم تزل تجوس في مناكب الأرض؛ فالعادة في الطبيعة أنه إذا ما كان الكائن العضوي ضعيف الإعداد للدفاع عن نفسه وهو فرد، لجأ إلى الاعتصام بأفراد من نوعه، لتعيش الأفراد جماعة تستعين بالتعاون على البقاء في عالم تمتلئ جنباته بالأنياب والمخالب والجلود التي يستحيل ثَقِبها، وأغلب الظن أن قد كانت هذه هي حالة الإنسان أول أمره، فأنقذ نفسه بالتماسك في جماعة الصيد أولاً فالقبيلة ثانياً؛ فلما حلت العلاقات الاقتصادية والسيادة السياسية محل القربى كمبدأ للتنظيم الاجتماعي، فقدت القبيلة مكانتها التي كانت تجعل منها قوام المجتمع؛ وحل محلها في أسفل البناء الأسرة، كما حلت الدولة محلها في قمته؛ وعندئذ تولت الحكومة مشكلة استتباب النظام، بينما أخذت الأسرة على نفسها أن تعيد تنظيم الصناعة وأن تعمل على بقاء الجنس.

ليس من طبيعة الحيوانات الدنيا أن تعنى بنسلها، لذلك كانت إناثها تقذف بيضها في كميات كبيرة، فيعيش بعضها وينمو، بينما كثرتها الغالبة تُلتَهم أو يصيبها الفساد؛ إن معظم السمك يبيض مليون بيضة في العام؛ وليس بين السمك إلا أنواع قليلة تبدي شيئاً من العطف على صغارها، وترى في خمسين بيضة تبيضها الواحدة منها في العام عدداً يكفي أغراضها؛ والطيور أكثر من السمك عناية بالصغار، فيفقس الطائر كل عام من خمسة بيضات إلى اثنتي عشرة كل عام؛ وأما الحيوانات الثديية التي تدل باسمها على عنايتها بأبنائها، فهي تسود الأرض بنسل لا يزيد عن ثلاثة أبناء في المتوسط لكل أنثى في العام الواحد(26)؛ إن القاعدة العامة في عالم الحيوان كله هي أن خصوبة النسل وفناءه يقلان معاً كلما ازدادت عناية الأبوين بالصغار؛ والقاعدة العامة في عالم الإنسان من أول نشأته هي أن متوسط المواليد ومتوسط الوفيات يهبطان معاً كلما ازدادت المدنية صعوداً؛ إن عناية الأسرة بأبنائها إذا ما حسُنت، مكنت النشء من مدة أطول يقيمونها تحت جناح الأسرة فيكمل تدريبهم ونموهم إلى درجة أكبر، قبل أن يُقذف بهم ليعتمدوا على أنفسهم، وكذلك قلة المواليد تصرف المجهود البشري إلى اوجه أخرى من النشاط بدل استنفاذه كله في عملية النسل.

ولما كان يُعهد إلى الأم بأداء معظم ما تقتضيه العناية بالأبناء من خدمات، فقد كان تنظيم الأسرة في أول أمرها (ما استطعنا أن ننفذ بأبصارنا خلال ضباب التاريخ) قائماً على أساس أن منزلة الرجل في الأسرة كانت تافه وعارضه، بينما مهمة الأم فيها أساسية لا تعلوها مهمة أخرى؛ والدور الفسيولوجي الذي يقوم به الذكر في التناسل، لا يكاد يستوقف النظر في بعض القبائل الموجودة اليوم، وربما كان الأمر كذلك في الجماعات البشرية الأولى، شأن الرجل من الإنسان في ذلك شأن الذكر من صنوف الحيوان التي تناديها الطبيعة للتناسل فيطلب العشير عشيره ويتكاثر النسل دون أن يؤرق وَعْيَهم أن يحللوا هذه العملية إلى أسباب ونتائج؛ فسكان جزائر "تروبرياند" Trobriand لا يعزون حمل النساء إلى الاتصال بين الجنسين بل يعللونه بدخول شبح في جوف المرأة، وأن هذا الشبح ليدخل جوفها عادة إذ هي تستحم؛ فتقول الفتاة في ذلك "لقد عضتني سمكة" ويقول مالينوفسكي Malinowski: وسألت من يكون والد طفلِ وُلِدَ سفاحاً، أجابوني كلهم بجواب واحد: إنه طفل بغير والد لأن الفتاة لم تتزوج؛ فلما سألتُ في تعبير أصرح: "من ذا اتصل بالمرأة اتصالاً فسيولوجياً فأنْسَلَت، لم يفهموا سؤالي . . . ولو أجابوا كان الجواب: إنه الشبح هو الذي وهبها طفلها"؛ وكان لسكان تلك الجزيرة عقيدة غريبة وهي أن الشبح أسرع إلى دخوله امرأة أسلمت نفسها لكثير من الرجال في غير تحفظ؛ ومع ذلك فإذا ما أراد النساء أن يجتنبن الحمل، آثرن ألا يستحممن في البحر إذا علا مَدُّه، على أن يمتنعن عن اتصالهن بالرجال(27) وأنها لعقيدة ممتعة لا بد أن قد أراحت الناس من عناء كبير كلما أعقب استسلام المرأة للرجل نتيجةً تسبب شيئاً من الحيرة، وما كان ألذها عقيدة لو أنها أنتُحلتْ للأزواج كما انتحلت لعلماء الأجناس البشرية.

وأما أهل مالنيزيا فقد عرفوا أن الحمل نتيجة الاتصال بين الجنسين، لكن الفتيات اللائي لم يتزوجن يُصْرِرْن على أن حملهن قد سبّبه لهن لون من الطعام أكلنه(28) وحتى بعد أن أدركوا وظيفة الذكر في التناسل، كانت العلاقات الجنسية من الاضطراب بحيث لم يكن يسيراً عليهم أن يحددوا لكل طفل أباه؛ ونتيجة ذلك هي أن المرأة البدائية الأولى قلما كانت تعنى بالبحث عمن يكون والد طفلها؛ أن الطفل طفلها هي، وهي لا تنتمي إلى زوج بل إلى أبيها - أو أخيها - وإلى القبيلة، لأنها إنما تعيش مع هؤلاء، وهؤلاء هم كل الأقارب الذكور الذين يعرفهم الطفل(29) على أنهم ذوو قرباه، لهذا كانت روابط العاطفة بين الأخ وأخته أقوى منها بين الزوج وزوجته، وفي كثير من الحالات كان الزوج يقيم مع أسرة أمه وقبيلتها، لا يرى زوجته إلا زائراً متستراً، وحتى في المدنية القديمة كان الأخ أعز عند المرأة من زوجها، فزوجة "انتافرنيز" أنقذت أخاها لا زوجها من غضبة "دارا" كذلك "انتجونا" ضحت بنفسها من أجل أخيها لا من أجل زوجها(30) "فالفكرة القائلة بأن زوجة الرجل هي أقرب إنسان في الدنيا إلى قلبه، فكرة حديثة نسبياً، ثم هي فكرة لا تراها إلا في جزء صغير نسبياً من أجزاء الجنس البشري" (31).

إن العلاقة بين الوالد والأبناء في المجتمع البدائي هي من الضعف بحيث يعيش الجنسان منفصلين في عدد كبير من القبائل؛ ففي استراليا وغيانة البريطانية الجديدة، وفي إفريقية وميكرونيزنا، وفي أسام وبورما، وبين الألوشيين والإسكيمو والساموديين، وهنا وهناك من أرجاء الأرض، قد ترى إلى اليوم قبائل لا تجد فيها للحياة العائلية أثراً فالرجال يعيشون معتزلين النساء، ولا يزورونهن إلا لماما، حتى الطعام ترى كلا من الفريقين يأكل بعيداً عن الأخر؛ وفي شمالي بابوا لا يجوز للرجل أن يرى مجتمعاً بامرأة أمام الناس حتى وإن كانت تلك المرأة أم أبنائه؛ والحياة العائلية ليست معروفة في "تاهيتي" على الإطلاق، ومن انفصال الجنسين على هذا النحو تنشأ العلاقات السرية - عادة الاتصال بين الرجال والرجال - التي تراها في كل الأجناس البدائية، وهي مَهْرب يلوذ به الرجال في كثير من الحالات فراراً من المرأة(32)؛ وهذه العلاقات السرية لها شبيه في حياتنا الحاضرة وإن اختلفت في وجهها فهذه وليدة تلك.

إذن فابسط صور العائلة هي الأم وأبناؤها تعيش بهم في كنف أمهم أو أخيها في القبيلة؛ وهذا النظام نتيجة طبيعية للأسرة عند الحيوان، التي تتكون من الأم وصغارها، وهو كذلك نتيجة طبيعية للجهل البيولوجي الذي يتصف به الإنسان البدائي؛ وكان لهذا النظام العائلي بديل آخر في العهد الأول، وهو "الزواج الذي يضيف الزوج إلى أسرة زوجته"، إذ يقضي هذا النظام أن يهجر الزوج قبيلته ليعيش مع قبيلة زوجته وأسرتها ويعمل من أجلها أو معها في خدمة والديها؛ فالأنساب في هذه الحالة يُقتَفَى أثرها في جانب الإناث، والتوريث يكون عن طريق الأم؛ حتى حق العرش أحياناً كان يهبط إلى الوارث عن طريق الأم لا عن طريق الزوج(33)؛ على أن هذا الحق الذي للأمومة ليس معناه سيطرة المرأة على الرجل(34)؛ لأنه حتى إن وَرَّثَت الأم أبناءها فليس لها على ملكها هذا الذي تُورثه إلا قليل من السلطان؛ وكل ما في الأمر أن الأم كانت وسيلة تَعَقُّب الأنساب، لأنه لولا ذلك لأدى إهمال الناس عندئذ في العلاقات الجنسية وإباحيتهم إلى انبهام معالم القُربى(35)، نعم إن للمرأة نفوذاً في أي نظام اجتماعي كائناً ما كان ولو إلى حد محدود، هو نتيجة طبيعية لخطر مكانتها في المنزل، ولأهمية وظيفتها في التصرف في الطعام ولاحتياج الرجل إليها وقدرتها على رفضه؛ ولقد شهد التاريخ أحياناً حاكمات من النساء بين بعض قبائل إفريقية الجنوبية، ولم يكن في مستطاع الرئيس في جزر "بليو" أن ينجز شيئاً هاماً إلا إذا استشار مجلساً من عجائز النساء، وكان للنساء في قبيلة "إراكوا" حق يعادل حق الرجال في إبداء الرأي وفي التصويت إذا اجتمع مجلس القبيلة(36)؛ وكان للنساء بين هنود سنكا قوة عظيمة قد تبلغ بهن حق اختيار الرئيس، هذا كله صحيح، لكنها حالات نادرة لا تقع إلا قليلاً، أما في أكثر الحالات فمنزلة المرأة في المجتمعات البدائية كانت منزلة الخاضع التي تدنو من الرق؛ فعجزها الذي يعاودها مع الحيض، وعدم تدريبها على حمل السلاح، واستنفاذ قواها من الوجهة البيولوجية بسبب الحمل والرضاعة وتربية الأطفال، كل ذلك عاقها في حربها مع الرجال، وقضى عليها أن تنزل منزلة دنيا في كل الجماعات إلا أدناها وأرقاها؛ ولم يستتبع تقدم المدنية بالضرورة أن ترفع مكانة المرأة، ففي اليونان أيام بركليز كتب عليها أن تكون مكانتها أقل من مكانتها بين هنود أمريكا الشمالية؛ إن مكانة المرأة ترتفع أو تهبط تبعاً لاختلاف أهمية الرجل في القتال، أكبر منها تبعاً لازدياد ثقافة الرجال وتقدم أخلاقهم.

كانت المرأة في مرحلة الصيد تكاد تؤدي الأعمال كلها ما عدا عملية الصيد نفسها؛ وأما الرجل فكان يسترخي مستريحاً معظم العام في شيء من الزهو بنفسه، لقاء ما عرض نفسه لمصاعب الطراد وأخطاره، كانت المرأة تلد الأطفال بكثرة وتربيهم وتحفظ الكوخ أو الدار في حالة جيدة، وتجمع الطعام من الغابات والحقول وتطهي وتنظف وتصنع الثياب والأحذية(37)؛ فإذا انتقلت القبيلة من مكان لم يكن الرجل ليحمل سوى أسلحته لأنه كان مضطرا أن يكون على أهبة الاستعداد لملاقاة العدو إذا هجم، وإذن فقد كان على النساء أن يحملن كل ما بقى من متاع، والنساء من قبيلة "البوشمن" كن يُستخدمن خادمات وحاملات للأثقال، فإذا تبين أنهن أضعف من أن يسايرن الركب في رحلته، تُركن في الطريق(38)، ويروي أن سكان نهر مَرِى الأدنى حين رأوا قطيعاً من الثيران ظنوا أنهم زوجات الرجال البيض(39)، وإن ما تراه بين الرجال والنساء اليوم من تفاوت في قوة البدن لم يكد يكون له وجود فيما مضى، وهو الآن نتيجة البيئة وحدها أكثر منه أصيلا في طبيعة المرأة والرجل: كانت المرأة إذ ذاك - لو استثنيت ما يقعدها أحياناً من عوامل بيولوجية - مساوية للرجل تقريباً في طول قامته، وفي القدرة على الاحتمال وفي سعة الحيلة والشجاعة؛ولم تكن بعد قد أصبحت مجرد زينة وتحفة، أو مجرد لعبة جنسية، بل كانت حيواناً قوي البنية قادراً على أداء العمل الشاق مدى ساعات طويلة، بل كانت لها القدرة - إذا دعت الضرورة - على المقاتلة حتى الموت في سبيل أبنائها وعشيرتها؛ قال رئيس من رؤساء قبيلة "تشبوا" Chippewas "خلق النساء للعمل، فالواحدة منهن في وسعها أن تجر من الأثقال أو تحمل منها ما لا يستطيعه إلا رجلان، وهن كذلك يقمن لنا الخيام ويصنعن الملابس ويصلحنها ويدفئننا في الليل.. . إنه ليستحيل علينا أن نرحل بغيرهم، فهن يعملن كل شيء ولا يكلفن إلا قليلاً؛ لأنهن ما دمن يقمن بالطهي دائماً، فأنهن يقنعن في السنين العجاف بلعق أصابعهن" (40)

إن معظم التقدم الذي أصاب الحياة الاقتصادية في المجتمع البدائي كان يعزى للمرأة أكثر مما يعزى للرجل، فبينما ظل الرجل قروناً مستمسكاً بأساليبه القديمة من صيد ورعي، كانت هي تطور الزراعة على مقربة من محال السكنى، وتباشر تلك الفنون المنزلية التي أصبحت فيما بعد أهم ما يعرف الإنسان من صناعات؛ ومن "شجرة الصوف" - كما كان الإغريق يسمون نبات القطن - جعلت المرأة تغزل الخيط وتنسج الثياب القطنية(41)؛ وهي التي - على أرجح الظن - تقدمت بفنون الحياكة والنسج وصناعة السلال والخزف وأشغال الخشب والبناء، بل هي التي قامت بالتجارة في حالات كثيرة(42)؛ والمرأة هي التي طورت الدار، واستطاعت بالتدريج أن تضيف الرجل إلى قائمة ما استأنسه من حيوان، ودربته على أوضاع المجتمع وضروراته التي هي من المدنية أساسها النفسي وملاطها الذي يمسك أجزاء البناء؛ لكن لمّا تقدمت الزراعة وزاد طرحها، أخذ الجنس الأقوى يستولي على زمامها شيئاً فشيئاً(43)؛ وكذلك وجد الرجل في ازدياد تربية الماشية مصدراً جديداً للقوة والثروة والاستقرار؛ حتى الزراعة التي لابد أن تكون قد بدت لعمالقة العصر القديم الأشداء عملاً بارداً، أقبل عليها الرجل آخر الأمر بعد أن كان يضرب جوالاً في مناكب الأرض، وبذلك انتزع الرجال من أيدي النساء زعامتهن الاقتصادية التي توفرت لهن حيناً من الدهر بسبب الزراعة؛ وكانت المرأة قد استأنست بعض الحيوان؛ فجاء الرجل واستخدم هذا الحيوان نفسه في الزراعة، وبذلك تمكن من أن يحل محلها في الإشراف على زراعة الأرض؛ هذا إلا أن استبدال المحراث بالمعزقة قد تطلب شيئاً من القوة البدنية، وبذلك مكن للرجل أن يؤكد سيطرته على المرأة؛ أضف إلى ذلك أن ازدياد ما يملكه الإنسان مما يمكن تحويله من مالك إلى مالك، كالماشية ومنتجات الأرض، أدى إلى إخضاع المرأة للرجل إخضاعاً جنسياً، لأن الرجل طالبها بالإخلاص له إخلاصاً يبرر له أن يورث ثروته المتجمعة إلى أبناء تزعم له المرأة أنهم أبناؤه؛ وهكذا نفذ الرجل بالتدريج خطته، واعترف للأبوة في الأسرة، وبدأت الملكية تهبط في التوريث عن طريق الرجل، واندحر حق الأمومة أمام حق الأبوة، وأصبحت الأسرة الأبوية - أي التي يكون أكبر الرجال سناً على رأسها - هي الوحدة الاقتصادية والشرعية والسياسية والخلقية في المجتمع؛ وانقلب الآلهة وقد كانوا قبل ذلك نساء في أغلبهم، انقلبوا رجالاً ذوي لحى هم للناس بمثابة الآباء، يحيط بهم من النساء "حريم" كالذي كان يحلم به ذوو الطموح من الرجال في عزلتهم .

كان هذا الانتقال إلى الأسرة الأبوية - الأسرة التي يحكمها الوالد - ضربة قاضية على منزلة المرأة؛ فقد باتت هي وأبناؤها، في أوجه الحياة الهامة جميعاً، ملكاً لأبيها أو لأخيها الأكبر، ثم ملكاً لزوجها، إنها اشتُريت في الزواج كما كان العبد يشرى في الأسواق سواء بسواء؛ وهبطت ميراثاً كما يهبط سائر الملك عند وفاة الزوج، وفي بعض البلاد "مثل غانة الجديدة، وهبرديز الجديدة، وجزر سليمان، وفيجي، والهند وغيرها" كانت تشنق وتدفن مع زوجها الميت، أو كان يطلب أليها أن تنتحر، لكي تقوم على خدمته في الحياة الآخرة(44) وأصبح للوالد الحق في أن يعامل زوجاته وبناته كما يشاء ويهوى إلى حد كبير جداً؛ فيهبهن، ويبيعهن، ويعيرهن، لا يحده في استعمال حقه هذا إلا الظروف الاجتماعية التي تفسح المجال لآباء غيره في استعمال حقوق مثل حقه، وبينما احتفظ الرجل بحقه في الاتصال الجنسي خارج داره، طولبت المرأة - في ظل الأنظمة الأبوية - بالعفة التامة قبل الزواج، وبالإخلاص التام بعد الزواج، وهكذا نشأ لكل جنس معيار خاص يحكم به على عمله.

إن خضوع المرأة بصفة عامة، وقد كان موجوداً في مرحلة الصيد، ثم ظل موجوداً - في صورة أخف - خلال الفترة التي ساد فيها حق الأمومة في الأسرة ازداد الآن صراحة وغلظة؛ ففي الروسيا القديمة، كان الوالد عند زواج ابنته يضربها ضرباً رقيقا بسوط، ثم يعطي السوط للزوج(45) ليدل على أن ضربها قد أنيطت به منذ اليوم يد لا يزال الشباب يجري في عروقها؛ وحتى الهنود الأمريكيون الذين ظل حق الأمومة سائداً فيهم لم يرتفع عنهم قط، كانوا يعاملون نساءهم معاملة خشنة ويكلفونهن بأقذر الأعمال، وغالباً ما ينادونهن بلفظ الكلاب(46) وحياة المرأة في كل مكان على وجه الأرض كانت تقوم بثمن أرخص من ثمن الرجل، وإذا ولد الأمهات بنات، فلا تقام الأفراح التي تقام عند ولادة البنين حتى أن الأمهات أحياناً ليقتلن بناتهن الوليدات ليخلصنهن من الشقاء؛ والزوجات في فيجي يشتريهن الرجال كما يشاءون، وغالباً ما يكون الثمن المدفوع بندقية(47)، وفي بعض القبائل لا ينام الرجل وزوجته في مكان واحد خشية أن يضعف نفس المرأة من قوة الرجل، بل إن أهل فيجي لا يرون من المناسب أن ينام الرجل في بيته كل ليلة، وفي كالدونيا الجديدة تنام المرأة في حظيرة بينما ينام الرجل في الدار، وفي فيجي كذلك يسمح للكلاب بالدخول في بعض المعابد، أما النساء فحرام عليهن دخول المعابد إطلاقاً(48) وهذا الإقصاء للمرأة عن المجتمعات الدينية موجود في الإسلام حتى يومنا هذا، نعم إن المرأة
بغير شك قد تمتعت في كل العصور بهذا الضرب من السيادة الذي ينشأ عن استمرار الحديث، وقد تفلح المرأة في إخجال الرجل أو إرباكه أو هزيمته أحياناً(49) لكن الرجل مع ذلك هو السيد والمرأة هي الخادمة، فكان الرجل من قبيلة "الكفير" يشتري النساء كما يشتري الرقيق، وإنما يشتريهن ليكن له ضمان الحياة حتى مماته، لأنه إذا حاز عدداً من الزوجات كافياً، فسيظل ما بقى له في الحياة من سنين مستريحاً من عناء العمل، وعليهن العمل كله، ويعتبر بعض القبائل في الهند القديمة نساء الأسرة جزءاً من الأملاك التي تورث جنباً إلى جنب مع الحيوان الداجن(50)؛ حتى الوصية الأخيرة من وصايا "موسى" لم توضح الفرق في هذا الصدد توضيحاً ظاهراً، وفي بلاد الزنوج الأفريقية كلها، لا يكاد النساء يختلفن عن الرقيق إلا في كونهن مصدراً للمتعة الجنسية إلى جانب النفع الاقتصادي؛ ولقد كان الزواج في بدايته صورة من صور القوانين التي تضبط الملكية، وجزءاً من التنظيم الاجتماعي الذي يدبّر أمر العبيد(51).



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


12 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> القانون الفصل الثالث القانون


12

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> القانون

الفصل الثالث

القانون


انعدام القانون - القانون والعادة - الثأر - الغرامات

المحاكم - المحنة - المبارزة - العقاب الحرية البدائية

يأتي القانون مصاحبا للملكية والزواج والحكومة؛ فأحط المجتمعات تدبر أمرها بغير قانون؛ يقول "ألفرد رسل ولاس": "لقد عشت مع جماعات الهمج في أمريكا الجنوبية وفي الشرق، ولم أجد بينهم قانون ولا محاكم سوى الرأي العام الذي يعبر عنه أهل القرية تعبيرا حرا، فكل إنسان يحترم حقوق زملائه احتراما دقيقا، فالاعتداء على هذه الحقوق يندر وقوعه أو يستحيل، إن الناس جميعا في مثل هذه الجماعة متساوون تقريبا" (17)؛ وكذلك كتب "هرمان ملفيل" Herman Melville شيئا كهذا عن أهل جزيرة ماركساس Marqusas فقال: "أثناء وجودي بين قبيلة "التايبي" Typees لم يُقَدّم أحد قط للمحاكمة بتهمة الاعتداء على غيره من الناس؛ وسار كل شيء في الوادي سيرا هادئا متسقا على صورة لا تجد لها مثيلا في الجماعات المسيحية مهما انتقيت منها خيرها وأصفاها وأنقاها؛ وإن في هذا القول مني لجرأة أستبيحها لأنه قول الصدق" (18)؛ ولقد أقامت حكومة الروسيا القديمة دورا للمحاكم في جزر ألوشيا لكنها لم تصنع شيئا قط مدى خمسين عاما، ويقول "برِنتُنْ" Printon : "كانت الجرائم والاعتداءات في قبيلة إراكوا من القلة في ظل نظامهم الاجتماعي بحيث تكاد لا تجد ما يبرر أن نقول أن لهم قانونا للعقوبات" (19)، هذه هي الظروف المثالية أو ربما كانت صورتها المثالية من خلفنا نحن - التي يتمنى الفوضويون عودتها لكن هذه الصورة يجب أن تعدل بعض التعديل؛ فالجماعات الفطرية تتمتع بحرية نسبية من قيود القانون؛ أولاً لأنها محكومة بعادات هي في صرامتها وفي استحالة الخروج عليها كأي قانون، وثانياً لأن جرائم العنف في أول الأمر تعتبر مسائل خاصة يقضى فيها بالثأر الشخصي الذي تُسفح فيه الدماء.

إن التقاليد لتكوّن أساسا ثابتا مكينا تراه مستقرا تحت الظواهر الاجتماعية كلها؛ فهي بمثابة الصخرة الراسخة في أسفل البناء، وقوامها ألوان الفكر وضروب الفعل التي خلع عليها مر الزمان هالة من تقديس، وهي تُمِدُّ المجتمع بشيء من الثبات والنظام إذا ما انتفى القانون أو تغير أو اضطرب؛ فالتقاليد فيما تعطيه للجماعة من استقرار تشبه الوراثة والغرائز فيما تعطيانه من استقرار للنوع البشري، كما تشبه العادات بالقياس إلى الفرد الواحد؛ والتقاليد هي الاطراد المكرور الذي يحفظ للناس عقولهم في رءوسهم لأنه إذا لم تكن لدى الإنسان هذه القنوات التي ينزلق فيها التفكير والعمل انزلاقا لا شعوريا يسيرا، لاضطر العقل أن يتردد إزاء كل شيء وسرعان ما يلوذ بالجنون مهربا؛ والغرائز والعادات والتقاليد والأوضاع الاجتماعية كلها تتحدد وفق قانون اقتصادي يستغني بالقليل عن الكثير، لأن العمل الآلي هو أنسب طريقة يستجيب بها الإنسان للمثير الخارجي إذا تكرر، أو للموقف المعين إذا تجدد حدوثه؛ أما التفكير الأصيل والتشديد في السلوك فهو اضطراب في مجرى الاطراد، ولا يستطيعه الإنسان إلا في الحالات التي يريد فيها أن يغير من سلوكه المألوف بحيث يلائم الموقف الذي يحيط به، أو في الحالات التي يأمل فيها أن يكافأ على تشديده وتفكيره كسبا موفوراً.

فإذا أضيف إلى هذا الأساس الطبيعي وهو التقاليد، تأمين يأتيه من السماء عن طريق الدين، وأصبحت تقاليد آبائنا هي كذلك ما تريده لنا الآلهة من سلوك، عندئذ تصبح التقاليد أقوى من القانون، ويبعد الإنسان عن حريته البدائية بعدا جوهرياً؛ إنك إذا جاوزت حدود القانون فقد كسبت إعجاب نصف الناس الذين يحسدون في أعماق نفوسهم كل من يستطيع أن يتغلب بذكائه على هذا العدو القديم؛ أما إذا جاوزت حدود التقاليد فأنت قمين أن تصطدم بمقت الجميع لأن التقاليد تنشأ من الناس أنفسهم، بينما يفرض عليهم القانون فرضا من أعلى؛ القانون عادة مرسوم قضى به السلطان، أما التقاليد فهي الانتخاب الطبيعي لألوان السلوك التي ثبتت صلاحيتها في خبرة المجتمع، والقانون يأخذ في حلوله محل التقاليد حين تحل الدولة محل الأسرة والقبيلة والعشيرة والمجتمع القروي، وكلها أنظمة طبيعية؛ ثم يتم حلول القانون محل التقاليد حين تظهر الكتابة، وتتدرج القوانين في انتقالها من تشريع يهبط إلى الخلف عن طريق ذاكرات الشيوخ والكهنة، إلى نظام تشريعي صريح مكتوب على ألواح، لكن حلول القانون محل التقاليد لم يكمل في يوم من الأيام؛ وستظل التقاليد حتى النهاية هي القوة الكامنة من وراء القانون حين يقرر الإنسان أي نوع من السلوك ينبغي أن يسلك، وحين يحكم على أنواع السلوك بالخير والشر؛ ستظل التقاليد حتى النهاية هي القوة الكامنة وراء العرش، "هي الحكم الأخير الذي يقضى في حياة الإنسان".

وأول المراحل في تطور القانون أخذ الإنسان لنفسه بالثأر فيقول الرجل من البدائيين: "إن الثأر ثأري وسأرد عن نفسي ما لَحِقَ بي"، وكل فرد من القبائل الهندية التي تسكن "كاليفورنيا السفلى" هو لنفسه الشرطي وهو الذي يقيم لنفسه ميزان العدل بما تسعفه قوته من الثأر؛ ففي مجتمعات بدائية كثيرة إذا حدث لشخص "أ" أن اغتال شخصا آخر هو "ب" كانت النتيجة أن يقتل "أ" على يد ابن "ب" أو صديقه. ولنرمز له بالحرف "جـ"، ثم يقتل هذا الابن أو الصديق على يد شخص رابع هو "د" يكون ابن "أ" أو صديقه وهكذا حتى تنتهي أحرف الهجاء، وإنك لترى أمثلة للثأر في أنقى العائلات الأمريكية دماً في يومنا هذا، ولقد امتد الثأر ما امتد القانون نفسه في عصور التاريخ، وهو يظهر في "القصاص" المذكور في القانون الروماني؛ والقصاص يلعب دورا كبيرا في تشريع حمورابي، وتراه في أمر "موسى" بأن تكون "العين بالعين والسن بالسن" وهو ما يزال كامناً وراء الكثرة الغالبة من العقوبات القضائية حتى اليوم.

والخطوة الثانية نحو القانون والمدنية من حيث التصرف إزاء الجريمة هي الأخذ بالتعويض بدل الثأر، فكثيرا جداً ما استعمل الرئيس سلطته أو نفوذه لكي يحافظ على حسن العلاقات بين أفراد جماعته - ليحمل الأسرة الراغبة في الأخذ بالثأر على أن تستبدل بالدم المطلوب ذهباً أو متاعاً؛ ثم ما هو إلا أن نشأت "تَعْرِيفة" قانونية، تحدد كم من المال ينبغي أن يدفع ثمناً للعين وكم للسن وكم للذراع وكم للحياة، وقد توسع حمورابي في تشريعه على هذا الأساس؛ وقد كان أهل الحبشة غاية في الدقة في العقوبة بالقصاص بحيث إذا سقط صبي من أعلى الشجرة على زميله وقتله، فإن القاضي يحكم بأن ترسِلَ الأم الثكلى ابناً آخر من أبنائها ليسقط من أعلى الشجرة على عنق الصبي الذي اقترف الذنب أول مرة (20)، والعقوبات التي تُقَدَّر في حالات التعويض، قد تختلف باختلاف جنس المعتدي والمعتدى عليه، وعمره ومنزلته، فالفيجيون - مثلاً - يعتبرون السرقة الطفيفة يأتيها إنسان من سواد الناس، أشنع إجراما من القتل يقترفه الرئيس(21) وهذا ما حدث طوال تاريخ القانون، ففداحة الجريمة كانت دائماً تقل بعلو منزلة المجرم ولما كانت هذه الغرامات أو التعويضات التي تدفع اجتناباً للثأر، تتطلب تقديراً للجريمة وللتعويض بحيث يتلاءمان، اتخذت خطوة ثالثة نحو القانون وهي قيام المحاكم، حيث كان الرؤساء أو الكهنة أو الشيوخ يجلسون مجلس القضاة ليقضوا فيما ينشب بين الناس من خلاف، ولم تكن هذه المحاكم دائماً مجالس تقضي كما يقضي القضاة، بل كثيرا ما كانت مجالس لإصلاح ذات البين، فكانت تصل بالمتخاصمين إلى حل يرضيهما معاً بصورة ودية ؛ ولبث الالتجاء إلى المحاكم اختيارياً لدى كثير من الشعوب مدى قرون طوال، وكان المعتدى عليه إذا لم يُرْضه الحكم الصادر في شأنه، يباح له أن يأخذ ثأره بيده(22).

وفي حالات كثيرة كان البت في أمر الخصومات يتم في صورة عراك يجري على مرأى من الناس بين المتخاصمين، وكان هذا العراك يختلف في مدى إراقته للدماء، من مباراة في الملاكمة لا يترتب عليها شيء من الأذى - كما هو الحال بين الإسكيمو الحكماء - إلى مبارزة تنتهي بالموت؛ وكثيراً ما لجأ البدائيون إلى اصطناع المحنة في فض مشكلاتهم، غير أنهم لم يقيموها على أساس النظرية التي سادت في القرون الوسطى بأن الله سيكشف عن المجرم عن طريق المحنة بقدر ما أقاموها على أساس من أمل بأن المحنة مهما بلغت من بعدها عن العدل، ستختم نزاعاً قد تضطرب له القبيلة أجيالا عدة إذا لم يلجأ في فضه إلى المحنة ومن أمثلة ذلك أن المتَّهِمَ والمتَهَمَ كليهما يطلب إليهما أن يختار كل منهما صحفة طعام من بين صحفتين إحداهما مسمومة، وقد ينتهي هذا الاختيار بأن يأخذ الصحفة المسمومة من هو بريء (والعادة ألا يكون أثر السم مما يستحيل الخلاص منه) لكن الخصومة تنتهي بهذا، ما دام الفريقان يعتقدان في غير إرغام بعدالة مبدأ المحنة؛ وقد كانت العادة عند بعض القبائل أن المذنب إذا اعترف بذنبه مد ساقه للمعتدى عليه ليطعنها برمحه؛ أو يُطْلب إلى المتهم أن يصمد للرماح يقذفه بها متهموه، فإذا أخطأته الرماح جميعاً، أعلنت براءته، أما إذا أصابه ولو رمح واحد، حكم بإدانته وفُضَّ الخلاف(23).

وهكذا هبط مبدأ المحنة خلال العصور، بادئاً من تلك الصور البدائية إلى قوانين موسى وحمورابي ثم إلى العصور الوسطى؛ والمبارزة ضرب من ضروب المحنة، وقد ظن المؤرخون أنها قد انقضى عهدها، لكنها في طريقها إلى العودة من جديد في أيامنا هذه، وهكذا ترى الفارق بين الإنسان البدائي والإنسان الحديث ضيقاً صغيراً في بعض جوانب الحياة، وإن تاريخ المدنية لقصير.
ورابع الخطوات التي خطاها القانون في تطوره، هي أن تعهد الرئيس أو تعهدت الدولة أن يحول دون الاعتداء وان يُنزل العقاب بالمعتدي؛ وليس بين فض النزاع وإنزال العقاب بالمعتدين وبين محاولة اتقاء وقوع النزاع إلا خطوة واحدة؛ بهذا لم يَعُد الرئيس قاضياً وكفى، بل أصبح إلى جانب ذلك مشرعاً يسنُّ القوانين، وأضيفت إلى مجموعة القوانين العامة الشائعة بين الناس، والتي استمدوها من تقاليدهم مجموعة أخرى من "القوانين الوضعية" التي مصدرها مراسيم الحكومة؛ ففي الحالة الأولى تصعد القوانين من أسفل، وفي الحالة الثانية تهبط على الناس من أعلى؛ وفي كلتا الحالين ترى القوانين مصطبغة بمسحة السلف الغابر، وتشم فيها رائحة الأخذ بالثأر الذي جاءت تلك القوانين بديلاً له؛ لقد كان العقاب في الجماعات البدائية قاسياً(24) لأن تلك الجماعات لم تكن آمنة على حياتها، ولذلك ترى صرامة العقاب تقل كلما ازداد النظام الاجتماعي استقراراً.

وتستطيع القول بصفة عامة أن "حقوق" الفرد في المجتمع الفطري أقل منها في حالة المدنية؛ فأينما وجَّهت النظر وجدت الإنسان يولد مكبلا بالأغلال: أغلال الوراثة والبيئة والتقاليد والقانون؛ والفرد في الجماعة البدائية يتحرك في شبكة من القوانين التي تبلغ بصرامتها وتفصيلاتها حداً يجاوز المعقول، فألف تحريم يحدد سلوكه وألف إرهاب يشل إرادته؛ أن أهل زيلندة الجديدة كانوا فيما يبدو للعين يعيشون بغير قانون، لكنهم في حقيقة أمرهم كانت التقاليد تتحكم في كل مظهر من مظاهر حياتهم؛ كذلك أهل البنغال تسيرهم التقاليد التي لا قِبَل لهم بتغيرها أو معارضتها، فتحدد لهم طريقة الجلوس والقيام والوقوف والمشي والأكل والشرب والنوم؛ فالفرد أوشك ألا يكون في عرفهم كائناً مستقلاً بذاته في البيئة الفطرية، ولم يكن يتمتع بالوجود الحق إلا الأسرة وإلا القبيلة والعشيرة والمجتمع القروي، فهذه الهيئات هي التي تملك الأرض أو تباشر السلطان، ولم يصبح للفرد وجود واقعي متميز من وجود مجموعته إلا بعد أن ظهرت الملكية الخاصة التي هيأت له سلطاناً اقتصادياً، وبعد أن ظهرت الدولة التي اعترفت له بوجود قانوني وحقوق محددة (25)؛ إن الحقوق لا تأتينا من الطبيعة، لأن الطبيعة لا تعرف من الحقوق إلا الدهاء والقوة؛ إنما الحقوق مزايا منحتها الجماعة للأفراد على اعتبار أنها تؤدي إلى الخير العام؛ ولذا فالحرية ترف اقتضاه اطمئنان الحياة، والفرد الحر ثمرة أنتجتها المدنية، وعلامة تُمَيّزُها.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



11 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> الدولة الفصل الثاني الدولة


11

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> الدولة

الفصل الثاني

الدولة


باعتبارها تنظيما للقوة - المجتمع القروي - الأركان النفسية للدولة

يقول نيتشه: "أن جماعة من الوحوش الكواسر شقراء البشرة، جماعة من الغزاة السادة، بكل ما لها من أنظمة حربية وقوة منظمة، تنقض بمخالبها المخيفة على طائفة كبيرة من الناس، ربما فاقتها من حيث العدد إلى حد بعيد، لكنها لم تخذ بعد نظاما يحدد أوضاعها... ذلك هو أصل الدولة" (8)، ويقول "لستر وورد" Lester Ward: "تبدأ الدولة - باعتبارها مختلفة عن النظام القبلي - بأن يغزو جنس من الناس جنسا آخر" (9)؛ ويقول "أوبنهيمر" Oppenheimer : "إنك لترى أينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدي على حدود قبيلة أخرى أقل منها استعدادا للقتال، ثم تستقر في أرضها مكونة جماعة الأشراف فيها، ومؤسسة لها الدولة" (10)؛ ويقول "تاتسنهوفر" Tatzenhofer "العنف هو الأداة التي خلقت الدولة" (11) ويقول "جمبلوفتش" Gumplawiez إن الدولة نتيجة الغزو، هي قيام الظافرين طبقة حاكمة على المهزومين(12). ويقول "سمنر" Sumner "إن الدولة نتيجة القوة وهي تظل قائمة بسند من القوة" (13).

وهذا الإخضاع العنيف إنما يقع عادة على جماعة زراعية مستقرة، من قبيلة من الصائدين والرعاة(14) لأن الزراعة تعلم الناس الأساليب المسالمة، وتروضهم على حياة رتيبة لا يختلف يومها عن أمسها، وتنهكهم بيوم طويل من عمل مجهد؛ مثل هؤلاء الناس يجمعون ثروة، لكنهم ينسون فنون الحرب ومشاعرها؛ أما الصائد وأما الراعي، وقد ألفا الخطر ومهرا في القتل، فإنهما ينظران إلى الحرب كأنها ضرب آخر من مطاردة الصيد، لا تكاد تزيد عن مطاردة في خطرها؛ فإذا نضب معين الغابات ولم يعد يمدهم بما يشتهون من صيد، أو إذا ما قلت قطعانهم بسبب اضمحلال المراعي: فإن رجال الصيد والرعي عندئذ ينظرون بعين الحسد إلى حقول القرية بما تحوى من ثمار، وسرعان ما ينتحلون تبريرا للهجوم شأنهم في ذلك شأن المحدثين في استسهال هذا الانتحال؛ ثم يغزون فيغلبون فيسترقون فيحكمون الدولة مرحلة متأخرة في سلم التطور لم تكد تظهر قبل عهد التاريخ المدون، لأن قيام الدولة يقتضي تغيرا في مبدأ التنظيم الاجتماعي من أساسه فيكون المبدأ هو أن يكون الحكم لمن يسيطر بدل أن يكون لذوي القربى كما كانت القاعدة السائدة في المجتمعات البدائية، وإنما يكون نظام السيطرة في أنجح حالاته إذا ما ربط عدة جماعات طبيعية مختلفة، بعضها ببعض برباط يفيدها من نظام وتجارة؛ وحتى وهو في هذه الحالة تراه لا يدوم طويلا إلا في القليل النادر، اللهم إلا إن كان تقدم في الاختراع قد زاد من قوة القوى بأن وضع في يديه أدوات وأسلحة تمكنه من كبت الثورة إذا اشتعلت؛ وفي حالة السيطرة الدائمة ترى مبدأ التسلط يميل إلى إخفاء نفسه حتى لا يكاد يدس نفسه في ثنايا اللاشعور؛ فلما ثار الفرنسيون سنة 1789م أوشكوا ألا يتبينوا - حتى ذكرهم بالحقيقة كاميل ديمولان Camille-Desmolins أن طبقة الأشراف كانت تحكمهم منذ ألف عام جاءتهم من ألمانيا وأخضعتهم لسلطانها بالقوة؛ حقا إن الزمن ليخلع على كل شيء مسحة من قدسية، حتى أخبث السرقات قمين أن يبدو في أيدي أحفاد اللص الذي سرق، مِلْكاَ مقدسا لا يجوز عليه اعتداء؛ إن كل دولة تبدأ بالقهر لكن سرعان ما تصبح عادات الطاعة هي مضمون الضمير ثم سرعان ما يهتز كل مواطن بشعور الولاء للعلم.

والمواطن في ذلك على صواب، فمهما تكن بداية الدولة فسرعان ما تصبح دعامة لا غنى عنها للنظام، لأنه إذا ما ربطت التجارة طائفة من القبائل والعشائر، نشأت بين الناس علاقات لا تعتمد على القرابة بل تعتمد على ما بين الناس من اتصال، وإذن فلابد لمثل هذه العلاقة من أساس للتنظيم يصطنع لها اصطناعا، ونستطيع أن نسوق مجتمع القرية مثلا لذلك: فالقرية هي التي حلت محل القبيلة والعشيرة وأصبحت هي صورة التنظيم الاجتماعي المحلي؛ فأقامت لنفسها حكومة بسيطة تكاد تكون ديمقراطية، حكومة قوامها مناطق صغيرة يجتمع عنها رؤساء الأسر؛ لكن مجرد وجود هذه الجماعات وكثرة عددها، استلزم تدخل قوة خارجية تنظم ما بينها من علاقات، وتنسجها جزءا من شبكة اقتصادية أوسع، والدولة هي التي سدت هذه الحاجة مهما يكن فيها مما يخيف ويفزع أول أمرها؛ أنها لم تَعُد قوة منظمة وكفى، بل أصبحت كذلك أداة توائم بين مصالح مئات الجماعات المتضاربة التي منها يتألف المجتمع في صورته المركبة، ولما تم للدولة ذلك مَدَّت حبائلها من سلطان وقانون وأخذت توسع نطاقها شيئا فشيئا؛ وعلى الرغم من أنها صيَّرَت الحرب الخارجية أكثر تخريبا مما كانت قبل تكوينها، إلا أنها استطاعت أن توسع السلام الداخلي وتثبت أركانه؛ ولك أن تعرف الدولة بأنها سلام في الداخل استعدادا للحرب في الخارج؛ ولم يلبث الناس أن يتبينوا أن دفع الضرائب للدولة خير لهم من التقاتل بعضهم مع بعض، خير لهم أن يدفعوا الجزية للص واحد عظيم من أن يدفعوا الرشوة للجميع، وإذا أردت أن تعلم ماذا عسى أن يقع في مثل هذا المجتمع إذا خلا من الحاكم لفترة من الزمن؛ فانظر ماذا تصنع جماعة "الباجندا" التي اضطر كل رجل فيها حين مات الملك أن يسلح نفسه،

لأن الخارجين عن القانون أنشبوا أظفار الفوضى والقتل والنهب أرجاء البلاد جميعا(15)؛ وقد صدق "سبنسر" حين قال: "إنه بغير حكم أوتوقراطي كان يستحيل على تطور المجتمع أن يبدأ مراحله" (16).

على أن الدولة التي تعتمد على القوة وحدها سرعان ما يتقوض بناؤها، لأن الناس وإن يكونوا بطبعهم أغرارا، فهم كذلك لطبعهم ذوو عناد؛ والقوة مثل الضرائب تبلغ أكثر نجاح لها إذا ما كانت خفية غير مباشرة؛ ومن هنا لجأت الدولة - لكي تبقي على نفسها - إلى أدوات كثيرة تستخدمها وتصطنعها في بث تعاليمها - كالأسرة والكنيسة والمدرسة - حتى تبني في نفس المواطن عادة الولاء للوطن والفخر به؛ ولقد أغناها هذا التنشيء عن مئات من رجال الشرطة، وهيأ الرأي العام للتماسك في طاعة وانصياع، فمثل هذا التماسك لابد منه في حالة الحرب؛ وفوق هذا كله فإن الأقلية الحاكمة حاولت أن تحولّ سيادتها التي فرضتها على الناس فرضا بقوتها إلى مجموعة من القوانين من شانها أن تُبَلور سلطانها من جهة، وإن تقدم للناس ما يرحبون به من أمن ونظام من جهة أخرى وهي تعترف بحقوق "الرعية" اعترافا تستميلها به إلى قبول القانون ومناصرة الدولة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



10 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> أصول الحكومة الباب الثالث العناصر السياسية في الحضارة الفصل الأول أصول الحكومة


10

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في -> أصول الحكومة

الباب الثالث

العناصر السياسية في الحضارة

الفصل الأول

أصول الحكومة


الغريزة الاجتماعية - الفوضى البدائية -القبيلة

والعشيرة - الملك - الحرب


ليس الإنسان حيوانا سياسيا عن رضى وطواعية، فالرجل من الناس لا يتحد مع زملائه مدفوعا برغبته بقدر ما يتحد معهم بحكم العادة والتقليد والظروف القاهرة؛ فهو لا يحب المجتمع بقدر ما يخشى العزلة، ولذلك تراه يتحد مع غيره من الناس لأن اعتزاله يعرضه للخطر، ولأن ثمة أشياء كثيرة يمكن أن يجود أداؤها بالتعاون أكثر مما يجود بالانفراد، وعلى ذلك فالرجل من الناس وحشي في صميمه يتصدى للعالم كله تصدي العدو لأعدائه بكل ما يتطلب ذلك من بطولة؛ فلو قد جرت الأمور على ما يشتهي الإنسان المتوسط لكان الأرجح ألا تقوم للدولة قائمة؛ بل إنك لتراه في يومنا هذا يمقت الدولة مقتا، ولا يفرق بين الموت وجباية الضرائب، ويتحرق شوقا لحكومة لا تحكم من أموره إلا أقلها؛ ولو رأيته يطالب بزيادة في القوانين فما ذاك إلا لأنه يعتقد أن جاره لابد له من تلك القوانين أما هو إذا ما ترك لهواه، فينزع إلى الفوضى التي لا يضبطها تفكير فلسفي، ويظن أن القوانين - فيما يختص بحالته - زائدة لا حاجة إليها.

ولو نظرت إلى أبسط المجتمعات تكوينا لأوشكت ألا ترى فيها حكومة على أية صورة من الصور، فالصائدون البدائيون لا يميلون إلى قبول التقنين إلا حين ينضمون إلى جماعة الصيد ويستعدون لدور النشاط؛ أما في غير هذا فترى قبيلة البوشمن تعيش عادة في أسرات معتزل بعضها عن بعض؛ وكذلك أقزام إفريقية وأهل استراليا الفطريين لا يقبلون التنظيم السياسي إلا مؤقتا، حتى إذا ما فرغت مهمته انتشروا من جديد في أسرات كل منها قائم بذاته؛ وليس لأهل تسمانيا رؤساء ولا قوانين ولا حكومة دائمة، والفديون من سكان سيلان انقسموا جماعات على أساس الروابط العائلية، لكن لم يكن عليهم حكومة، والكوبيون في سومطرة "يعيشون بغير سلطان" وتحكم كل أسرة نفسها؛ وقلما تجد الفويجيين في جماعات تزيد عن اثني عشر؛ وكذلك التنجيون يجتمعون اجتماعات متفرقة لا تزيد الجماعة منها عن عشر خيمات أو ما يقرب من ذلك، ولا يزيد "الحشد" من الاستراليين عن ستين شخصا إلا في القليل النادر(1)، ولا تلتئم هذه الجماعة ولا تتعاون إلا لأغراض خاصة مثل الصيد، دون أن تتحد في نظام سياسي دائم.

كانت القبيلة أول صورة للنظام الاجتماعي الدائم - ونقصد بالقبيلة جماعة من أسرات ترتبط بأواصر القربى، وتشغل بقعة من الأرض على سبيل الشيوع ولها طوطم مشترك وتحكمها حكومة بعينها وفق قوانين معينة؛ فإذا ما اتحدت عدة قبائل تحت رئيس واحد تكونت بذلك العشيرة؛ فالعشيرة هي الخطوة الثانية نحو تكوين الدولة؛ لكن التطور في هذه السبيل كان بطيئا إذ كان كثير من الجماعات بغير رؤساء(2) وجماعات أخرى كثيرة لن تقبل نظام الرئاسة - فيما نظن - إلا في وقت الحرب(3) فالديمقراطية ليست من مزايا عصرنا التي يُزهى بها على العصور السوالف، لأنها تظهر على خير وجوهها في كثير من الجماعات البدائية حيث لا تكون الحكومة القائمة عليها سوى ما يشير به رؤساء الأسر في العشيرة - ولم يسمح قط بقيام السلطة جزافا(4فالهنود من قبائل "إراكو" و "دلاوير" لم يعترفوا بشيء من القوانين أو الضوابط خارج نطاق النظام الطبيعي الذي تقضي به الأسرة أو العشيرة؛ ولم يتمتع رؤسائهم إلا بسلطة متواضعة في مقدور شموخ العشيرة أن ينسخوها في أي وقت شاءوا؛ وكان يقوم على هنود "أوماها" "مجلس السبعة" الذي يظل أعضائه يتشاورون في الأمر حتى يصلوا إلى إجماع في الرأي؛ فإذا أضفت إلى هذا جمعية الإراكوا المشهورة، التي تم فيها الاتفاق بين قبائل كثيرة، فارتبطت القبائل بما اتفقت عليه من عهود في حفظ السلام، لم تجد هوة سحيقة تفصل بين هؤلاء "الهمج" وبين الدول الحديثة التي تتعهد بنشر السلام في جمعية الأمم تعهدا قد يُخلّون به.

لكنها الحروب هي التي تخلق الرئيس وتخلق الملك وتخلق الدولة؛ كما أن هؤلاء جميعا هم الذين يعودون فيخلقون الحروب؛ ففي "ساموا" كانت للرئيس سلطة إبان الحرب، أما في غير ذلك فلم يكن يأبه له الناس كثيرا؛ وقبيلة "دياك" لم تكن تعرف من الحكومة إلا ما لرأس الأسرة على أسرته من سلطان، فإن نشب القتال كانوا يختارون أشجع مقاتليهم فيولونه القيادة ويطيعونه طاعة عمياء، حتى إذا ما فرغوا من قتالهم، نزعوه وأرجعوه إلى عمله السابق بمعنى هذه العبارة الحرفي(5)؛ وأما في فترات السلم فقد كان أكثر السلطة والنفوذ للكاهن أو رئيس السحرة؛ فلما تطور نظام الحكم، وأصبحت الملكية هي الصورة المألوفة لدى أغلب القبائل، اشتقت الملكية وظائفها من وظائف هؤلاء، وجمعت تلك الوظائف كلها في يدها: وظائف المقاتل والشيخ الوالد والكاهن؛ وإنك لترى الجماعات تحكمها قوتان: تحكمها الكلمة في وقت السلم، ويحكمها السيف إبان الشدائد؛ وإذن فالقوة لا تستعمل إلا حيثما يفشل الإرشاد بالقول؛ وقد سار القانون والعقائد الأسطورية جنبا إلى جنب خلال العصور، يتعاونان معا على حكم البشر، أو يتعاقبان الواحد بعد الآخر، ولم تجرؤ دولة من الدول حتى يومنا هذا أن تفصل بينهما، ومن يدري لعلهما يعودان فيتحدان غدا.
ولكن كيف انتهت الحرب إلى قيام الدولة؟ لم يكن ذلك لأن الإنسان ميال بفطرته للحروب، فبعض الشعوب المتأخرة غاية في حب السلام، ولم يستطع الإسكيمو أن يفهموا لماذا يطارد الأوربيون بعضهم بعضا كأنهم الحيتان - مع أنهم يدينون جميعا بعقيدة مسالمة واحدة - ولماذا يسرق بعضهم أرض بعض، ولذا قالوا في تمجيد أرضهم: "ألا ما أجمل أن يكون غطاؤنا ثلجا وجليدا! ما أجمل أن يكون الذهب والفضة اللذين إن كانا كامنين في صخورنا - الذهب والفضة اللذين يتكالب عليها المسيحيون تكالبا جشعا - فإنهما يكونونان تحت غطاء كثيف من الثلج بحيث لا يستطيعون الوصول إليهما! إن عقم أرضنا عن الإثمار مؤد إلى سعادتنا ومنقذنا من اعتداء المعتدين" (6) ومع ذلك فحياة البدائيين قد تخللتها حروب لا تنقطع؛ فالصائدون كانوا يقاتلون من أجل المصائد التي لم تزل عامرة بصيدها، كما كان الرعاة يقاتلون في سبيل المراعي الجديد من أجل قطعانهم، والزارعون يقاتلون ليستولوا على التربة العذراء؛ وكل هؤلاء وأولئك كانوا يقاتلون حينا بعد حين ليثأروا لقتل، أو لينشئوا ناشئتهم على الصلابة والنظام، أو ليجددوا الحياة الرتيبة المملولة، أو ليظفروا بغنيمة يسلبونها أو أسيرة يخطفونها، وقليلا ما حارب هؤلاء وأولئك من أجل الدين؛ نعم لقد كان بينهم أنظمة وعادات تحدد القتل، كما هي الحال بيننا - فعينوا ساعات بعينها أو أياما أو أسابيع أو أشهرا لا يجوز للهمجي الكريم النفس أن يقتل أحدا خلالها؛ وكذلك حددوا بعض القواعد لا يجوز عصيانها، وبعض الطرق لا ينبغي أن يعتدي عليها، وبعض الأسواق والمستشفيات لا ينشب فيها قتال؛ ومن هذا القبيل عملت "جمعية الإراكوا" على قيام "السلم الأعظم" مدى ثلاثمائة عام(7)، لكن الحرب مع هذا كله كانت هي الأداة المختارة للانتخاب الطبيعي بين الأمم والجماعات البدائية.

ولم يكن للنتائج المترتبة على الحروب نهاية تقف عندها فقد كانت عاملاُ لا يرحم في اقتلاع الشعوب الضعيفة والقضاء عليها، ورفعت مستوى الإنسان من حيث الشجاعة والعنف والقسوة والذكاء والمهارة؛ وحفزت الإنسان على الاختراع، وأدت إلى صنع آلات أصبحت فيما بعد أدوات نافعة، وإلى اصطناع فنون للحرب سرعان ما انقلبت فنونا للسلم؛ "فكم من السكك الحديدية اليوم تبدأ على أنها جزء من خطة القتال، ثم تنتهي وسيلة من وسائل التجارة! " وفوق هذا كله عملت الحرب على انحلال الشيوعية والفوضى اللذين سادا الجماعات البدائية وأدخلت في الحياة نظاما وقانونا، وأدت إلى استرقاق الأسرى وإخضاع الطبقات وقيام الحكومات؛ فالدولة أمها الملكية وأبوها القتال.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ