3349
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
القسم السابع
المجلد السابع
من صفحة 337 إلى 502
انتقاض علي بن زكريا، شيخ الهساكرة، على الأمير عبد الرحمن وفتك بمولاه منصور ومقتل الأمير عبد الرحمان
لما رجع السلطان إلى فاس وبدا من الخلل في دولة الأمير عبد الرحمن وانتقاض الناس عليه ما قدّمناه، نزع يده من التعويل على العساكر وشرع في تحصين البلد. وضرب الأسوار على القصبة وحفر الخنادق، وتبّين بذلك اختلال أمره. وكان علي بن زكريا شيخ هسكورة كبير المصامدة في دعوته، مذ دخل مراكش فتلافى أمره مع صاحب فاس، ومد إليه يداً من طاعته. ثم انتقض على الأمير عبد الرحمن ودخل في دعوة السلطان، وبعث إليه الأمير عبد الرحمن مولاه منصوراً يستألفه، فأرصد إليه في طريقه من حاشيته من قتله. ثم بعث برأسه إلى فاس، فنهض السلطان في عساكره إلى مراكش. واعتصم الأمير عبد الرحمن بالقصبة وقد كان افردها عن المدينة بالأسوار. وخندق عليها، فملك السلطان المدينة ورتّب على القصبة المقاتلة من كل جهة، ونصب الآلة. وأدار عليها من جهة المدينة حائطاً وأقام يحاصرها سبعة
أشهر يغاديها القتال ويراوحها. وكان أحمد بن محمد الصبيحي من الذين بوؤا المقاعد لقتالها، فهمّ بالإنتقاض وحدثته نفسه بغدرة السلطان والتوثب به. وسعى بذلك إل السلطان، فتقبض عليه وحبسه. وبعث السلطان بالنفير إلى أعماله، فتوافت الأمداد من كل ناحية. وبعث صاحب الأندلس إليه مداداً من العسكر. فلما اشتد القتال والحصار بالأمير عبد الرحمن ونفذت الأقوات، وأيقن أصحابه بالهلكة، وأهمتهم أنفسهم، وهرب عنه وزيره نجّو العلم من بقية بيت محمد بن عمر، شيخ الهساكرة والمصامدة لعهد السلطان أبي الحسن وابنه وقد مر ذكره. فلما لحق نحو هذا بالسلطان، وعلم أنه إنما جاء مضطرا، قبض عليه وحبسه. ثم انفض الناس عن الأمير عبد الرحمن، ونزلوا من الأسوار ناجين إلى السلطان. وأصبح في قصبته منفرداً، وقد بات ليلته يراوض ولديه على الإستماتة وهما: أبو عامر وسليم. وركب السلطان من الغد في التعبية. وجاء إلى القصبة، فاقتحمها بمقدّمته. ولقيهم الأمير عبد الرحمن وولداه مباشراً إلى الميدان الذي بين أبواب دورهم، فجالوا معهم جولة قتل فيها وولداه. تولى قتلهم على بن إدريس الثنالقتي وزيّان بن عمر الوطاسي. وطالما كان زيّان يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خيلاء في جاههم، فذهب مثلاً في كفران النعمة وسوء الجزاء. والله لا يظلم مثقال ذرة. وكان ذلك خاتم جمادى الاخرة سنة أربع وثمانين وسبعمائة لعشر سنين من إمارته على مراكش ثم رحل السلطان منقلباً إلى فاس، وقد استولى على أعمال المغرب، وظفر بعدوّه ودفع المنازعين عن مكه. والله أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق