3347
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
القسم السابع
المجلد السابع
من صفحة 337 إلى 502
الخبر عن انتقاض الصلح بين الأمير عبد الرحمن صاحب مراكش والسلطان أبي العباس صاحب فاس واستيلاء عبد الرحمن على أزمور ومقتل عاملها حسون بن علي:
كان علي بن عمر كبير بني ورتاجن وشيخ بني ويغلان منهم، قد تحيّز إلى الأمير عبد الرحمن، منذ إجازته إلى الأندلس واستيلائه على تازى، ثم زحفه إلى حصار البلد الجديد مع السلطان أبي العباس كما مرّ. فوصل في جملته إلى مراكش، وكان صاحب شوراه وكبير دولته. وكان يظعن على خالد بن إبراهيم المبرازي شيخ جاجة من قبائل المصامدة، ما بين مراكش وبلاد السوس. وقد كان علي بن عمر انتقض على ابن غازي، الوزير المستبدّ بعد السلطان عبد العزيز، ولحق بالسوس. ومر بخالد بن إبراهيم هذا، فاعترضه في طريقه وأخذ الكثير من أثقاله ورواحله. وخلص هو إلى منجاته بالسوس، وقد حقد ذلك لخالد. ثم بعث عن شيوخ المعقل، عندما أجاز الأمير عبد الرحمن من الأندلس إلى نواحي تازى يروم اللحاق بهم، فوفدوا عليه. وسار معهم إلى أحيائهم وأقام معهم وهو في طاعة الأمير عبد الرحمن ودعوته، إلى أن اتصل به بين يدي حصاره البلد الجديد مع السلطان أبي العباس. فلمّا فتح السلطان البلد الجديد أوّل سنة ست وسبعين وسبعمائة واستولى على ملكهم بها، وفصل عبد الرحمن إلى مراكش، كما كان الوفاق بينهم، وسار علي بن عمر في جملة الأمير عبد الرحمن إلى مراكش. واستأذنه في قتل خالد صاحبه، فلم يأذن له، فأحفظه ذلك وطوى عليه. وبعد أيام صعد إلى جبل وريكة، في غرض من أغراض الدولة. وتقدّم إلى حافده عامر ابن ابنه محمد بقتل خالد، فقتله في بعض الأيام بظاهر مراكش. ولحق بجده علي بن عمر بوريكة، فتلطّف له الأمير عبد الرحمن وراسله بالملاينة والاستعطاف. ثم ركب إليه بنفسه واستخلصه ونزل به إلى مراكش، فأقام معه أياماً. ثم ارتاب ولحق بأزمور وعاملها يومئذ حسّون بن علي الصبيحي فأغراه بالإجلاب على عمل مراكش وزحفوا جميعاً إلى عمل صنهاجة.
وسرّح الأمير عبد الرحمن لمدافعتهم كبير دولته يومئذ، وابن عمّه عبد الكريم بن عيسى بن سليمان بن منصور بن بي مالك، وهو عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، فخرج في العساكر ومعه منصور مولى الأمير عبد الرحمن، فلقوا عليّ بن عمر وهزموه وأخذوا سواده ولجأ إلى أزمور. ثم وفد هو وحسّون بن علي على السلطان بفاس. ووقعت أثناء ذلك المراسلة بين السلطانين وانعقد بينهما الصلح. وأقام علي بن عمر بفاس ورجع حسّون بن علي إلى مكان عمله بأزمور ثم انتقض ما بين السلطانين ثانياً. وكان عند الأمير عبد الرحمن أخوان من ولد محمد بن يعقوب بن حسّان الصبيحي وهما علي وأحمد، جرثومتا بغي وفساد. وعدا على كبيرهما علي ابن عمه علي بن يعقوب بن علي بن حسّان فقتله. واستعدى أخوه موسى عليه السلطان، فأعداه. وأذن له أن يثأر منه بأخيه فيقتله، فجزع لذلك أحمد أخو عليّ وهم بقتل موسى، فاستجار موسى بيعقوب بن موسى بن سيّد الناس كبير بني ونكاسن وصهر الأمير عبد الرحمن، وأقام أياماً في جواره، ثم هرب إلى أزمور، فلفحت نار الفتنة. ونهض الأمير عبد الرحمن إلى أزمور، فلم يطق حسان بن علي دفاعه، فملكها عليه وقتله واستباحها. وبلغ الخبر إلى السلطان بفاس، فنهض في عساكره وانتهى إلى سلا. ورجع الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وسار السلطان في أتباعه، حتى نزل بحصن أكمليم قريبا من مراكش. وأقام هنالك نحواً من ثلاثة أشهر، والقتال يتردّد بينهم. ثم سعى بين السلطانين في الصلح، فاصطلحوا على حدود العمالات أولاً، وانكفأ صاحب فاس إلى عمله وبلده. وبعث الحسن بن يحيى بن حسّون الصنهاجي عاملاً على الثغر بأزمور، فأقام بها وكان أصله من صنهاجة أهل وطن أزمور، وله سلف في خدمة بني مرين مذ أوّل دولتهم. وكان أبوه يحيى في دولة السلطان أبي الحسن عاملاً في الجباية بأزمور وغيرها. وهلك في خدمته بتونس أيام مقام السلطان بها وترك ولده يستعمل في مثل ذلك. ونزع الحسن هذا منهم إلى الجندية، فلبس شارتها وتصرّف في الولاية المناسبة لها. واتصل بخدمة السلطان أبي العباس لأول بيعته بطنجة، وكان يومئذ عاملاً بالقصر الكبير، فدخل في دعوته وصار في جملته. وشهد معه الفتح واستعمله في خطط السيف، حتى ولاّه أزمور هذه الولاية، فقام بها كما نذكره.
وأما الصبيحيون فالخبر عن أوليتهم أن جدهم حسّان من قبيلة صبيح، من أفاريق سويد، جاء مع عبد الله بن كندوز الكمي من بني عبد الواد، حين جاء من تونس
وأوفد على السلطان يعقوب بن عبد الحق ولقيه كما مرّ. وكان حسّان من رعاة إبله. فلما استقرّ عبد الله بن كندوز بناحية مراكش، وأقطعه السلطان يعقوب في أعمالها، وكان الظهر الذي يحمل عليه السلطان متفرقاً في سارية المغرب، فجمعه وجعله لنظر عبد الله بن كندوز، فجمع له الرعاة، وكبيرهم يومئذ حسّان الصبيحيّ، فكان يباشر السلطان في شأن ذلك الظهر ويطالعه في مهمّاته، فحصلت له بذلك مداخلة واجتلبت إليه الحظ، حتى ارتفع وأثرى وكبر. ونشئوا في ظل الدولة وعزّها وتصرفوا في الولايات فيها. وانفردوا بالشاوية، فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بينهم لهذا العهد، إلى ما كانوا يتصرفون فيه من غير ذلك من الولايات. وكان لحسّان من الولد عليّ ويعقوب وطلحة غيرهم. ومن حسّان هذا تفرّعت شعوبهم في ولده، وهم لهذا العهد متصرفون في الدولة على ما كان سلفهم من ولاية الشاوية والنظر في رواحل السلطان والظهر الذي يحمل من الإبل، ولهم عدد وكثرة ونباهة في الدولة. والله أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق