3346
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
القسم السابع
المجلد السابع
من صفحة 337 إلى 502
الخبر عن شأن الوزير أبي بكر بن غازي وما كان من تغريبه إلى مايرقة، ثم رجوعه وانتقاضه بعد ذلك ومهلكه:
لما اشتدّ الحصار بالوزير أبي بكر بن غازي وفنيت أمواله وأموال السلطان، وظن أنه احيط به، داخله الوزير محمد بن عثمان من مكانهم بحصاره في النزول عن البلد على الأمان والإبقاء فأجاب. وخرج إلى السلطان أبي العبّاس بن أبي سالم، فعقد له أماناً بخطّه وتحّول إلى داره بفاس. وأسلم سلطانه المنصوب للأمر، فتسلّمه منه الوزير محمد بن عثمان واشتدّ في الاحتياط عليه، إلى أن بعثه إلى السلطان ابن الأحمر، فكان في جملة الأبناء عنده. ودخل السلطان أبو العباس إلى دار ملكه واقتعد سريره ونفذت في الممالك أوامره. وأقام أبو بكر بن غازي على حاله بداره والخاصّة يباكرونه والنفوس منطوية على تأميله، فغصّ به أهل الدولة وتردّدت فيه
السعاية. وتقبّض عليه السلطان وأشخصه إلى غسّاسة، وركب منها السفين إلى ميورقة آخر سنة ست وسبعين وسبعمائة، فأقام بها شهراً، ومخاطباته مترددة إلى الوزير محمد بن عثمان. ثم عطفته عليه رحم، فأذن له في القدوم، إلى المغرب والمقامة بغسّاسة، فقدمها أوائل سنة سبع وسبعين وسبعمائة واسبتدّ بأمارتها. وبدا له رأي في تأميل الرتبة وظهر ما كان يخفيه لابن عمّه من المنافسة، فخاطب السلطان ابن الأحمر من وراء البحر ولاطفه بالتحف والهدايا، فكتب إلى ابن عمّه محمد بن عثمان يحضّه على إعادته إلى مكانه دفعاً لغوائله، فأبى من ذلك. وداخله ونزمار بن عريف في بعضها كذلك، فلح في الامتناع. وحمل سلطانه على نبذ العهد إلى أبي بكر بن غازي، فتنكّر له وأجمع المسير إليه بعساكر العرب، فخرج من فاس سنة تسع وسبعين وسبعمائة. وبلغ الخبر إلى أبي بكر بن غازي، فاستجاش بالعرب واحثّهم للوصول، فوصل إليه الأحلاف من المعقل وسرّب فيهم أمواله. وخرج من غسّاسة، فألقى بينهم وعمد إلى بعض العرب الطارئين، فنصّبه للأمر مشبّهاً ببعض أولاد السلطان أبي الحسن، وزحف إليه السلطان حتى نزل بتازى، فأجفلت أحياء العرب أمام العساكر من بني مرين والجند. ونجا ابن غازي معهم بدمائه. ثم داخله ونزمار بن عريف في الإذعان للسلطان والتنكيب عن شق الخلاف، فأجاب ووصل به إلى سدّة الملك، فبعث به السلطان محتاطاً عليه إلى فاس، فاعتقل بها. ونزلت مقدّمات العساكر بوادي ملويّة، وداخل صاحب تلمسان منها رعب، فأوفد على السلطان من قومه وكبار مجلسه ملاطفاً ومدارياً، فتقبّل منه وعقد السلم، وأصدر به كتابه وعهده بخطّه، وانكفأ راجعاً إلى حضرته، بعد أن بثّ العمّال في تلك النواحي على جبايتها، فجمعوا له منها ما رضي. ولما احتلّ بدار ملكه، أنفذ أمره بقتل أبي بكر بن غازي، فقتل بمحبسه طعناً بالخناجر، وذهب مثلاً في الأيام، واستوسق للسلطان أمره. وأحكم العقد مع الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن صاحب مراكش، واتصل بينهما وترددت المهاداة بينهما بعض إلى بعض، وإلى صاحب الأندلس واليه منهما، فامتلأت المغرب هدنةً وأمناً، وانبعثت الآمال بساطاً وغبطةً. والحال متصلة على ذلك لهذا العهد آخر سنة إحدى وثمانين أيام إشرافنا على هذا التأليف. والله مقدر الليل والنهار.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق