إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

200 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الرابع الملك ادريس رحمه الله وشيء من سيرته خامساً: اهتمام الملك ادريس بالثورة الجزائرية:


200

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الرابع

الملك ادريس رحمه الله وشيء من سيرته

خامساً: اهتمام الملك ادريس بالثورة الجزائرية:

كان السنوسيون منذ زمن المؤسس الأول للحركة الامام محمد بن علي السنوسي مهتمين بأمر الجهاد في الجزائر وواصل الملك ادريس جهوده المادية والمعنوية لدعم ثورة الجزائر التي اندلعت في 1/11/1954م وقد اثبتت الوثائق التاريخية جهوده العظيمة، وأعماله الجسيمة في هذا الباب، فقد ذكر السيد مصطفى احمد بن حليم في كتابه صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي في الباب التاسع تحت عنوان ثورة الجزائر ودور ليبيا الخطير في مساندتها مايقيم الحجة والبرهان على صدق الملك ادريس لدعمه للثورة الجزائرية، فقد ذكر السيد مصطفى بن حليم عندما كان بالقاهرة أن الرئيس جمال عبدالناصر اتصل به ودعاه لاجتماع منفرد معه، وفاجأه قائلاً: أنه يود أن يتحدث معه عن الثورة الجزائرية التي اندلعت وشرح جمال عبدالناصر لمطصفى بن حليم أنه اتفق مع الملك سعود والأمير فيصل على أن تقوم المملكة العربية السعودية بتقديم كافة الأموال اللازمة لشراء السلاح والعتاد والإمدادات اللازمة للثورة الجزائرية وأن يقوم رجال الجيش المصري والمخابرات بشراء ذلك السلاح والعتاد وإيصاله الى الحدود الليبية وهو يأمل أن يشرف رئيس الحكومة (السيد مصطفى بن حليم) بنفسه بنقل ذلك السلاح والعتاد عبر ليبيا الى الحدود الجزائرية حيث يستلمه منه ممثلوا الثورة الجزائرية ثم قال جمال عبدالناصر لمصطفى بن حليم أولعلك ستخشى الفرنسيين وتخاف بطشهم؟).
فرد عليه مصطفى بن حليم رئيس وزراء ليبيا سابقاً وقال له: (ياريس لعلك لا تعرف أن جد الملك إدريس جاء الى ليبيا من الجزائر هارباً من الطغيان الفرنسي وأمضى حياته في نشر الدعوة الاسلامية وإيقاظ الأمة الاسلامية لتقاوم موجة الطغيان والتنصير الفرنسي، ووالد الملك ادريس ظل يقاوم تغلغل المد الفرنسي في تشاد والسودان والنيجر، حتى لقي وجه ربه والسيد احمد الشريف والملك ادريس أفنيا عمرهما في الجهاد ضد الطليان...)( ). ورد جمال عبدالناصر على هذه الاجابة المقنعة بقوله: (ألاتستوعب الدعابة ؟ إنني أعرف كل هذا وأعرف أن الليبيين أبطال جهاد ولكنني رغبة أن أرى رد فعلك.. وتبين لي أنك مغربي حاد المزاج لاتتقبل الدعابة بروح مرحة)( ).
كانت القوات البريطانية المتواجدة في ليبيا والمنتشرة على طول البلاد من طبرق الى غرب طرابلس، والجواسيس الانكليز يسيطرون على مراكز حساسة، وموظفون من الانكليز ايضاً في شرطة ولاية طرابلس، وفرنسا لاتزال تحتل جنوب ليبيا (فزان) ولسفاراتها في طرابلس وبنغازي جهاز مخابرات من الطراز الاول وله أعوان وعيون منتشرة في طول البلاد وعرضها، بين السيد بن حليم تلك الملابسات لجمال عبدالناصر الذي أجاب: (أنني على علم تام بأن ما أطلبه منك عمل ينطوي على خطورة كبيرة، ومغامرة خطيرة...)( ) ثم أضاف: (لولا أنني مطمئن لوطنية الملك ادريس ووطنيتك وحرصكما الشديد على تحرير الشمال الافريقي من نير الاستعمار الفرنسي البغيض لما طلبت منكم ماطلبت، وعلى أية حال فأنا رهن إشارتكم لأي عون أو نصح أو مساعدة في سبيل هدفنا النبيل لتخليص الجزائر من ربقة الاستعمار، بعد ذلك قام جمال عبدالناصر بتعريف مصطفى بن حليم بالسيد أحمد بن بلاّ( ).
كان قائد قوة دفاع برقة الفريق محمود بوقويطين لايثق في جمال عبدالناصر ويراه حريصاً على تفجير القلاقل وزعزعة النظام داخل ليبيا ولربما اتخذ من ستار مرور السلاح إلى الجزائر كوسيلة لتوزيع السلاح داخل ليبيا ضد المملكة وعُرِض الأمُر على الملك رحمه الله فقال: (من ناحية لايمكننا أن نرفض مساعدة ثوار الجزائر في جهادهم، هذا واجب ديني محتم علينا تلبيته ولايمكننا أن نتردد في القيام به.. ومن ناحية أخرى فإنني لا أريد أن أعرّض استقلال هذا الوطن الذي ضحينا في سبيله بكل عزيز وغال واستشهد في سبيله مئات الآلاف من الليبيين، ولا أود أن أقامر بهذا الاستقلال خصوصاً مع فرنسا التي خرجت عن طورها وترتكب كل يوم الكثير من الجرائم والحماقات في قمع كل حركة استقلالية في الشمال الإفريقي... ومع توتر علاقتنا مع فرنسا بعد طلبنا إجلاء قواتها عن فزان فإنها ستلتمس أي عذر لترتكب معنا حماقة كبرى..)( ).
لقد وافق الملك إدريس على تمرير السلاح من مصر عبر الأراضي الليبية وقام بتوجيه وزير الوزراء والمسؤولين عن هذه الأمور باتخاذ الأسباب اللازمة للجمع بين الأمرين مساعدة المجاهدين في الجزائر، وعدم تعريض استقلال البلاد لأي هزة من أي نوع كانت وقام مدير عام قوة دفاع برقة الفريق محمود بوقويطين باتخاذ إجراءات الرقابة التي ستصاحب قوافل السلاح عبر برقة، واتخذ رئيس الوزراء مجموعة خيرة من ضباط مدينة طرابلس يشرف عليهم المجاهد العقيد عبدالحميد بيّ درنه للإشراف على هذه المهمة الخطيرة وباشر الليبيون مع إخوانهم الجزائريين تنفيذ ما اتفقوا عليه وتسرب السلاح من ليبيا إلى الجزائر تدريجياً واستمر هذا الحال في سرّية وكفاءة تامتين لمدة سنة تقريباً وكان الملك رحمه الله يبارك تلك الأعمال الجبارة( ).
ويحدثنا السيد مصطفى بن حليم عن قصة طريفة حدثت له مع السفير الفرنسي في ليبيا حيث قال: أذكر هنا قصة طريفة حدثت في منتصف سنة 1955م، فقد كنا في أوائل الصيف وأذكر كان يوم خميس وكنت على موعد مع الأخ أحمد بن بلاّ (من زعماء ثورة الجزائر) وبعض مساعديه، دعوتهم للغداء ثم التباحث بعد ذلك في أمور السلاح والعتاد والثورة ... وأثناء النهار اتصلت بي وزارة الخارجية الليبية تقول أن السفير الفرنسي يلح في طلب مقابلتي حاملاً رسالة من إدجار فور رئيس الحكومة الفرنسية، وبدون تفكير قلت ليحضر السفير الساعة الخامسة إلى المنزل (منزل رئيس الحكومة) ناسياً موعدي السابق مع بن بلاّ وجماعته، ورجعت إلى مسكني عند الثالثة وتناولت الغداء مع الأخ أحمد وجماعته والعقيد بيّ درنه ومساعديه ثم بدأنا مناقشة طويلة لاختيار أحسن المواقع التي تخزن فيها شحنات السلاح القادمة، وأثناء انهماكنا في هذه المناقشة الدقيقة دخل كبير المباشرين، (وبرغم أوامري بعدم دخول أحد علينا في ذلك الاجتماع)، واستأذن وأسرّ في أذني أن السفير الفرنسي وصل وأدخله في الصالون المجاور!! وارتبكت ثم قلت للأخ أحمد بن بلاّ أستأذنكم لبضع دقائق فقد حان موعد كنت نسيته مع السفير الفرنسي! وأضفت لعله لم يسمع مناقشتنا..! وذهبت لاستقبال (مسيو دي مارساي) الذي كان يحمل لي رسالة عاجلة من رئيس وزراء فرنسا يرجو المساعدة في القبض على طريق العدالة الفرنسية المدعو (بن بلاّ) وتمكنت بصعوبة كبيرة من السيطرة على عضلات وجهي وكتم ضحكة ساخرة ... وقلت للسفير أرجو أن تحضروا لنا صوراً للمجرم (بن بلاّ) صور مواجهة وصور جانبية ووصف دقيق للرجل وتقدموا هذه المعلومات للسير يجادير جايلز بك في طرابلس وللفريق بوقويطين في برقة، وسأصدر تعليماتي لهما بمساعدتكم بكافة الوسائل، وودعت السفير ثم أستأنفت الاجتماع فسألني الأخ أحمد عن سبب زيارة السفير قلت أراد المساعدة في القبض عليك! قال وماذا قلت له؟ قلت وعدته بالمساعدة بعدما يقدم لي تفاصيل كافية تمكن رجال الشرطة من القبض عليك وضحكنا كثيراً..)( ).
لقد تدهورت العلاقات بين ليبيا وفرنسا بعدما تأكد للحكومة الفرنسية أن ليبيا تقف وراء حركة الجهاد في الجزائر مؤيدة لها قولاً وفعلاً، وتسربت الأخبار عن الدور السري الخطير الذي كانت تقوم به ليبيا بزعامة ملكها في مساندة الشعب الجزائري ومده بالسلاح والعتاد بالإضافة إلى التأييد السياسي، والمعنوي أثر اعتراض الطيران الفرنسي للطائرة التي كانت تحمل احمد بن بلا ورفاقه وهم في طريقهم من الرباط الى تونس، وإرغمت الطائرة على الهبوط في مطار الجزائر وتم اعتقالهم هناك( ).
لقد استشاط غضباً نواب اليمين في البرلمان الفرنسي ووصلت حملتهم على دور ليبيا في نصرة حركة الجهاد في الجزائر حد الهستريا، الأمر الذي جعل الحكومة الفرنسية تحاول التملص من تعهداتها بالجلاء عن الجنوب الليبي في فترة اقصاها نوفمبر سنة 1956م وقامت فرنسا بأرسال السفير (بالائي) الى الحكومة الليبية وأبلغها بأن الحكومة الفرنسية لاتستطيع أن تنفذ جلاء قواتها عن فزان بعد ماتبين لها مواقف الحكومة الليبية المعادية لفرنسا، وكان رد رئيس الوزراء الليبي بأن حكومته سوف ترفع القضية الى مجلس الأمن وطلبت من الرئيس أيزنهاور الامريكي لكي يتدخل وينصح حلفاءه الفرنسيين باحترام ميثاقهم مع ليبيا( ).
لقد وقف الملك وحكومته وشعبه مع القضية الجزائرية ، وكانت الحكومة الليبية شديدة الحرص على الادعاء بأنها تقف موقفاً محايداً تماماً، فبينما تعطف على آمال الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال إلا أنها لا تساعد على أعمال العنف! ولذلك فهي تدعو فرنسا وثوار الجزائر الى الجلوس الى طاولة المفاوضات للوصول الى حل سلمي! كان كل هذا ستار دبلوماسي لأن مساعدات ليبيا للجزائر زادت نوعاً ومقداراً بل سمح للمؤسسات الشعبية في أنحاء ليبيا بتكوين جمعيات شعبية لنصرة الشعب الجزائري وجمع التبرعات، وإرسال برقيات التأييد للثورة الجزائرية، وبرقيات الشجب للحكومة الفرنسية، وكانت الحكومة الليبية برئاسة بن حليم تدعي أن لا دخل لها بالأعمال الشعبية العفوية، وأن خير سبيل أمام فرنسا هو الاستجابة لنصائحها باتباع الطرق السلمية مع الثورة الجزائرية وإيقاف القمع والقتل والتشريد التي تقوم بها القوات الفرنسية في الجزائر( ).
كان رئيس الحكومة الليبية مصطفى بن حليم متعاطفاً مع القضية الجزائرية ووجد دعماً معنوياً من الملك نفسه، فمضى في طريقه بثقة واطمئنان حتى أنه لما زار عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا ليبيا في عام 1957م في شهر فبراير اختلى بن حليم بعدنان مندريس وبدأ بحديثه عن دور الاتراك العظيم في نشر الاسلام وزعامتهم للامة الاسلامية عبر قرون عديدة من التاريخ الاسلامي المجيد، وشدد على روابط الدين التي تربط الاتراك ببقية الأمة الاسلامية، وعلى أن لتركيا دورها الاسلامي العظيم بالرغم من دعاوي العلمانية، ثم عرّج بحديثه عن شمال أفريقيا وشرح لمندريس مدى الظلم والقتل والتشريد الذي يعاني منه شعب الجزائر المجاهد ومحاولات فرنسا قمع ثورته الاسلامية وتنصيره وفرنسته ، ثم دخل في صلب الموضوع وقال لعدنان بك: (أنني آمل أملاً قوياً أن تمد تركيا الشقيقة المسلمة الكبرى يد المساعدة لشعب الجزائر المجاهد في محنته الراهنة). قال عدنان مندريس أنه كمسلم يعطف بكل جوارحه على الشعوب الاسلامية جميعاً وبنوع خاص على شعوب الشمال الافريقي وهو على إدراك تام بما يعانيه الشعب الجزائري في حربه الاستقلالية، ثم قال ولقد بذلت تركيا الكثير من المساعي السرية الحميدة لدى حكومة باريس موصية وناصحة بأن مشكلة الجزائر لا تحل بالقوة والقمع بل بحلول سياسية وتفاوض مع ممثلي سكان الجزائر، وأضاف أنه على استعدد لمضاعفة هذه المساعي بل وتوسيعها بحيث تشمل ضغطاً ودياً لدى دول حلف الاطلنطي الاخرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا، وقام السيد مصطفى بن حليم يشكر عدنان مندريس على مساعيه الدبلوماسية الطيبة وحثه على المواصلة وقال له: (أن مساعدة شعب الجزائر تتطلب أكثر من المساعي الحميدة فهي تتطلب عوناً مادياً، مالاً وسلاحاً ونظر عدنان مندريس الى مصطفى بن حليم وظهر على وجهه الاضطراب واختفت الابتسامة التي كانت تلازمه كثيراً ثم قال للسيد مصطفى بن حليم: يا أخي العزيز أنت تعرف أن تركيا عضو هام في حلف الاطلسي فكيف ترى أن تقدم لثوار الجزائر سلاحاً من سلاح الحلف (الاطلسي) لكي يحاربوا به عضواً هاماً آخر من ذات الحلف أعني فرنسا؟ فقال مصطفى بن حليم: أنا أعرف أن تركيا من أقوى الدول الاسلامية وهي التي كانت تتولى القيادة والريادة للأمة الاسلامية لقرون عديدة، فكيف ترى أنت يا أخي العزيز ألا تمد تركيا العون المادي للجزائريين المسلمين الذين تقتلهم قوات فرنسا وتشردهم او تعذبهم أنكل التعذيب؟ ومالهم من ذنب إلا أنهم يسعون لنيل حريتهم واستقلالهم؟
كرر مندريس مخاوفه الشديدة من عواقب اكتشاف اية شبهة بأن تركيا تمد الثورة الجزائرية بأي عون مادي .. وكرر عدة مرات بان هذا سيسبب طرد تركيا من حلف الاطلسي وهو الركيزة الرئيسية التي يرتكز عليها دفاع تركيا في مواجهة الخطر الروسي العظيم، وكان بن حليم يشعر بأن مخاوف عدنان مندريس حقيقية فهدأ من روعه وقال له أن الثورة الجزائرية في أشد الحاجة الى أنواع كثيرة من الأسلحة الحديثة وهذه الاسلحة متوفرة لديكم، فاذا أعطيتكم كشفاً مفصلاً بهذه الاسلحة وأهديتموها أنتم الى شقيقتكم ليبيا فليس في هذا مايثير أي شك او ريب لدى فرنسا وقال مصطفى لعدنان بأن الليبيين سوف يقومون بتسريب السلاح إلى الإخوان الجزائريين تدريجياً وواعده بأن لايعلم هذا السر إلا القيادة الجزائرية العليا، بل عدد قليل من أفراد تلك القيادة العليا وواصل بن حليم حديثه مع ضيفه رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس واستعرض له ماضي تركيا الإسلامي وتاريخها في الذود عن الإسلام، وإعلاء كلمته ومزج السياسة بالعاطفة الدينية، إلى أن قال عدنان مندريس: سنقدم لكم هدية السلاح، وأرجو الله أن يوفقكم في إيصالها لأولئك الذين يحتاجونها في الدفاع عن دينهم، أما نحن في تركيا فإننا نقدم الهدية لجيش ليبيا الشقيقة فقط، وشدد على المحافظة على السرية المطلقة، وبعد أسابيع قليلة وصلت هدية السلاح التركي واستلمها الجيش الليبي في احتفال عسكري ثم بدأ تسريبها تدريجياً إلى مجاهدي الجزائر( ).
كان الملك إدريس رحمه الله بعيد النظر، فبعد أن استقال السيد مصطفى بن حليم من الحكومة في آخر مايو عام 1957م عينه مستشاراً خاصاً له بمرتب رئيس وزراء وأصر على بقاء بن حليم في خدمة الدولة وشرح الملك لرئيس وزراءه السابق أنه سيحتاج إليه قريباً ثم عرض عليه أن يرسله سفيراً لليبيا في باريس، لأن علاقته الممتازة مع رجال الثورة الجزائرية ولأن الحكومة الفرنسية قد وصلت لقناعة بأن قضية الجزائر لاتُحل عسكرياً وإنما بالمفاوضة مع سكان الجزائر وعندما ردّ بن حليم على الملك بقوله أن الحكومة الفرنسية أصبحت على علم تام بالدور الذي قام به في مساعدة الثورة الجزائرية وتهريب السلاح والعتاد لها، وأن الثقة منعدمة بينهم وبينه، رد الملك بأن هذا هو خير مؤهل يجعل الحكومة الفرنسية تستعمل مساعيك كقناة للوساطة مع الثورة الجزائرية لتأكدها من أن زعماء الجزائر سيتقبلون نصحك قبولاً حسناً ويثقون بما تنقل لهم من اقتراحات وأضاف الملك: (عليك أن تكمل رسالتك نحو الثورة الجزائرية)( ) لقد كانت مهمة سفير ليبيا في فرنسا البحث مع الحكومة الفرنسية عن سبل سلمية لإعطاء شعب الجزائر حق تقرير مصيره، وتشجيع الحكومة الفرنسية على انتهاج سياسة التفاهم والتفاوض مع جبهة تحرير الجزائر والإقلاع عن سياسة القمع والعنف والتشريد ضد الشعب الجزائري( ).
وبدأ السفير مصطفى بن حليم بتنفيذ دوره الذي رسمه له الملك، وقام الملك إدريس بطلب رسمي من الجنرال ديجول الذي أصبح رئيساً للجمهورية بأن يطلق سراح أحمد بن بلاّ ورفاقه من السجن أو على الأقل أن يخفف وطأة السجن إلى اقامة جبرية أو شيء من هذا القبيل وأجاب الجنرال ديجول على طلب الملك إدريس بواسطة سفير ليبيا بفرنسا مصطفى بن حليم الذي حمله ديجول رسالة إلى الملك إدريس بأن مسعاه لن يذهب سدى، وبعد أيام نُقل أحمد بن بلاّ ورفاقه إلى فيلا في ضاحية (شانتييي) بجوار باريس( ).
وفي يناير عام 1961م، زار ليبيا الكونت دوباري، موفداً من طرف الجنرال ديغول رئيس الجمهورية آنذاك، واستقبله محمد عثمان الصيد بصفته رئيساً للحكومة في طرابلس وكان الكونت دوباري يحمل رسالة خطية من ديغول للملك إدريس السنوسي، وأبلغ المبعوث الفرنسي السيد محمد الصيد رئيس الوزراء أن الجنرال ديجول يريد إبلاغ الملك إدريس عبر هذه الرسالة، أن فرنسا ستعمل قريباً على إيجاد حل لقضية الجزائر يضمن مصلحة الجزائريين ويلبي المطامح العربية، لكنه يرجو من القادة العرب خاصة أولئك الذين تعرف عليهم إبان الحرب العالمية الثانية، ومنهم الملك إدريس تفهم ظروف فرنسا الداخلية، ومساعدته حتى يمكن اخراج هذا الحل إلى حيز الوجود، وبالفعل لم تمضي أربعة أشهر حتى بدأت مفاوضات الاستقلال بين فرنسا والجزائر في 20 مايو 1961م في ايفيان.
عقب إطلاق سراح أحمد بن بله ورفاقه الأربعة، وكان يطلق عليهم (الزعماء الخمسة) من السجون الفرنسية، قام هؤلاء الزعماء بزيارة إلى ليبيا واحتفى بهم الليبيون حكومة وشعباً احتفاءً كبيراً، واستقبلهم الملك إدريس السنوسي، وحثهم على التضامن ونكران الذات وذكرهم بالحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول ? :
(رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) وطلب منهم الإهتداء بهذا الحديث ودعاهم إلى نبذ جميع أشكال الخلاف والشقاق والأنانية التي تضر إن وجدت بالجزائر واستقلالها.
كانت الحكومات الليبية المتعاقبة بعد حكومة بن حليم تدعم ثورة الجزائر وكان من وراء ذلك التأييد غير المنقطع الملك إدريس بتوجيهاته المستمرة، وكان يكن في أعماقه عطفاً خاصاً على ثورة الجزائر الإسلامية.
إن المملكة الليبية بحكومتها وشعبها ساعدت ثوار الجزائر في معركتهم المقدسة ضد فرنسا وقاموا بمد الثورة بالسلاح والذخائر والمساعدات وقد حدثني السيد محمد القاضي عبدالكبير الذي كان معي في المعتقل السياسي بطرابلس عام 1983م وكان حاكماً لمنطقة فزان زمن المملكة فقد أخبرني عن اشراف الحكومة على مخازن الأسلحة وتوصيلها للمجاهدين في الجزائر وقد توفي رحمه الله بعد خروجه من السجن وقد قضى في سجون ليبيا من عام 1969م إلى سنة 1988م وكان رجلاً عجيباً في دينه وصفاء فطرته، حفظ القرآن الكريم بعد الخامسة والأربعين من عمره، وكان يتحدث الانجليزية والفرنسية والإيطالية وكان شعلة من النشاط والاجتهاد والتعليم وقد جاوز الستين من عمره، وكان يحافظ على صيام السنن، والنوافل، والقيام والرياضة البدنية، وكان يقول لي أن أمله في الله أن يغفر له ذنوبه وأن يكون سجنه تكفير للذنوب والخطايا، وأن السجن وقفة مع الذات وفرصة لمحاسبة النفس لاتعوض أبداً وإن الذي أكرمني الله به في السجن لولا أن الله منّ علي به ما تحصلت عليه أبداً وماوصلت إليه لقد كان فريداً في سنه، وفريداً في نشاطه، فرحمة الله عليه.
إن جميع الساسة والقادة العسكريين زمن المملكة الليبية والذين كانت لهم علاقة مباشرة بمد الثورة في الجزائر يشهدون أن الملك رحمه الله كان مسانداً لحركة الثورة، وحريصاً على نجاحها، ولم يقصر معها لامادياً، ولامعنوياً.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق